header_small2
التأويل
د. عبد الهادي الفضلي - عدد القراءات: 9195 - نشر في: 29-مارس-2010م

مر عند المسلمين بأدوار مميزة تركت وراءها أفاعيل بعيدة في التأثير على الذهنية الإسلامية، وأرقاماً كبيرة ساهمت في اثراء الثقافة الاسلامية، وفي تلوين وتنويع مفاهيمها ومعطياتها. وإلى يرجع الكثير من الخلافات المذهبية في الاختلافات حول مسائل الفكر وقضايا العقيدة. ومنه ما نقرؤه في مدونات تفسير القرآن الكريم، وكتب شروح الحديث الشريف.

 

ومن أهم أسباب هذا هو اختلافهم في معنى، كظاهرة ثقافية، وكمصطلح علمي.

ومن هنا رأيت أن أقوم بهذه المحاولة المتواضعة في تعرف معناه بدءاً مما جاء في القرآن الكريم.

 

وردت كلمة (تأويل) في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، مراداً بها المعاني التالية:

 

1- تعبير الرؤيا (تفسير الأحلام)

وكان هذا في آيات سبع من سورة يوسف، هي:

- ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الاَْحَادِيثِ﴾.

- ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَْرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَْحَادِيثِ﴾.

- ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلاَمِ بِعَالِمِين﴾َ.

- ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَْحَادِيثِ﴾.

- ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآْخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ الاَ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾.

- ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾.

 

فكلمة (تأويل) في سياق هذه الآيات الكريمة تعني تعبير الرؤيا، أما كلمة (الأحاديث) فالمراد بها - هنا - الأحلام، واطلقت الأحاديث على الرؤى والأحلام، لأنّ النفس تحدث بها في منامها ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَْحَادِيثِ﴾(1).

 

2- بيان سبب إيقاع الفعل  

كما جاء في قصة موسى وصاحبه، وذلك في آيتين من سورة الكهف، هما:

- سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا.

- ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا.

وهي في الموضعين تعطي معنى واحداً هو بيان سبب ايقاع الفعل.

 

3- الرجوع إلى الموئل الحق        

جاء في سورتي النساء والاسراء في الآيتين التاليتين:

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.

- ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.

 

4- تفسير المتشابه          

كان هذا في الآية السابعة من سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَْلْبَابِ﴾.

 

5- التفسير (بيان المعنى)

- ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ الاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾.

- ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾.

ونحن - هنا - متى تأملنا في المتلقي بما يفتقر معه إلى الايضاح.

 

فالأحلام لأنها ظواهر نفسية ترمز إلى معاني غير بينة عند صاحب الرؤيا تحتاج إلى تعبير يكشف عما ترمز إليه من معنى. وكذلك الأفعال الصادرة من الإنسان إذا كانت على غير المألوف والمتعارف عليه بين الناس تحتاج إلى ما يكشف عن الدوافع والأسباب لوقوعها. والأمر في المتشابه أبين من أن يحتاج إلى بيان. وكذلك في تحديد المرجع الحق. ومثله تفسير ما يتطلب التفسير.

 

ونخلص من هذا إلى أنّ في المصطلح القرآني لا يكون إلا لما فيه غموض يفتقر إلى التفسير.

 

ف - قرآنياً - تفسير ولكن لما فيه غموض.

 

وقد ألمح إلى هذا الفرق بين التفسير و السيد المصطفوي في كتابه (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) 1/ 176 حين قال: » والفرق بين التفسير و أنّ التفسير هو البحث عن مدلول اللفظ وما يقتضيه التعبير أدباً والتزاماً وعقلاً، وأما فهو تعيين مرجع اللفظ، والمراد والمقصود منه، وقد يخفى المراد على الناس ولا يدل عليه ظاهر اللفظ فهو يحتاج إلى الاطلاع على المقصود والمراد من اللفظ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.

 

ومن القرآن ننتقل إلى السنة الشريفة، ومن استعمال كلمة (تأويل) في الحديث الشريف ما جاء في كتاب (النهاية) لابن الأثير، قال: "وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما (اللهم فقهه في الدين وعلمه) هو من آل الشيء يؤول إلى كذا، أي رجع وصار إليه، والمراد ب نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ".

 

ومن ما جاء في كتاب (مجمع البحرين) للطريحي، قال: "ارجاع الكلام وصرفه عن معناه الظاهري إلى معنى أخفى منه، مأخوذ من آل يؤول إذا رجع وصار إليه، وتأول فلان الآية أي نظر إلى ما يؤول معناها، وفي حديث علي (عليه السلام): (ما من آية إلا وعلمني تأويلها) أي معناها الخفي الذي هو غير المعنى الظاهري لما تُقرر من أنّ لكل آية ظهراً وبطناً، والمراد أنه صلى الله عليه وآله أطلعه على تلك المخفيات المصونة والأسرار المكنونة".

 

وكما رأينا حدد المعجمان (النهاية) و (المجمع) معنى بالتفسير بما وراء ظاهر اللفظ.

 

و حيث يُعدل عن ظاهر اللفظ إلى سواه ينشعب - فيما رأينا - من الاستعمالات التي ذكرت في القرآن الكريم والحديث الشريف إلى ثلاث شعب، هي:

 

1- بمعنى التفسير

حيث يراد من اللفظ غير ظاهره لقرينة شرعية أو عقلية قامت تفيد ذلك. ويمثل له عادة بقول-ه تعالى: (يخرج الحي من الميت)، قال الجرجاني في (التعريفات): "في الشرع: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً للكتاب والسنة مثل قوله تعالى (يخرج الحي من الميت) إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وإن أراد به إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلاً".

 

وهو الذي عناه الإمام أمير المؤمنين في كتابه لابنه الحسن (عليهما السلام) بقوله: "وأن أبتدأك بتعليم كتاب الله وتأويله".

 

وهذا اللون من مشروع، وشيء طبيعي.

 

2 - بمعنى العدول باللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لا دليل عليه.

يقول (المعجم الكبير): » وأوّل الكلام: فسره.. وأوّال: عدل بألفاظه عن نهجها المستقيم دون دليل، وبه فسر قول-ه تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.

 

وإليه قصد أمير المؤمنين في الخطبة 122 من (نهج البلاغة) حيث قال: »ولكنّا إنما أصبحنا نقاتل اخواننا في الإسلام على ما دخل من الزيغ والاعوجاج والشبهة و«.

 

وهذا اللون من شيء غير مشروع في حد ذاته ولما يترتب عليه من مفاسد وأضرار.

 

3 - بمعنى التبرير Justification

وهو - أعني التبرير - ظاهرة نفسية يلجأ إليه الإنسان لتصويب فكر خاطئ أو تصحيح سلوك مغلوط، ومن هذا نظريتا الجبر والتفويض، وما أوّل لهما من آيات قرآنية وأحاديث شريفة.

 

ومنه ما أشار إليه الإمام أمير المؤمنين في أحد كتبه إلى معاوية بن أبي سفيان بقوله: »فعدوتَ على الدنيا بتأويل القرآن«.

 

وجاء في (المعجم الفلسفي) للدكتور صليبا: »... أما عند علماء اللاهوت فهو تفسير الكتب المقدسة تفسيراً رمزياً أو مجازياً يكشف عن معانيها الخفية«.

 

وهو الذي يعرف بالفرنسية Hermeneutigue وبالانجليزية Hermeneutic ويعرّب من لفظه اليوناني إلى هرمنيوطيقا ويفرّس هرمنوتيك.

 

وقد يقابله عند المسلمين ما يعرف بالتفسير الباطن، وهو ما ينحو إليه المتصوفة والعرفانيون، وأرباب العقائد المذهبية لارجاع العقيدة إلى أصل شرعي أو دعمها بسند شرعي.

 


1- معجم ألفاظ القرآن الكريم: مادة (حدث).

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
40811675

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية