﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾
سماحة العلامة السيد جعفر العاملي - عدد القراءات: 1359 - نشر في: 10-ابريل-2008م

تفسير قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾

 

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ورد على خاطري سؤال، بعد أن قرأت لبعض الأخوة أن قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. (الآية) نزلت قبل بيعة الغدير بوقت طويل.

 

فهل هذه الآية مدنية أو مكية؟

 

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وبعد..

 

زعموا أن سورة المعارج مكية، وهو ما ذكرته الرواية عن ابن عباس أيضاً، (الدر المنثور ج6 ص263 عن ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي) وابن الزبير (الدر المنثور ج6 ص263 عن ابن مردويه).

 

والصحيح أنها نزلت في المدينة، بعد حادثة الغدير، حيث طار خبر ما جرى في غدير خم في البلاد، فأتى الحارث بن النعمان الفهري (أو جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري) (قال الأميني: لا يبعد صحة ما في هذه الرواية من كونه جابر بن النضر، حيث إن جابراً قتل أمير المؤمنين عليه السلام والده النضر صبراً، بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله لما أسر يوم بدر. الغدير ج1 ص239 هامش).

 

 فقال: يا محمد، أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وبالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك، ففضلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟!

 

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي لا إله إلا هو، إن هذا من الله.

 

فولى جابر، يريد راحلته، وهو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السما، أو ائتنا بعذاب أليم.

 

فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته، وخرج من دبره، وقتله. وأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع الآية. (الغدير ج1 ص239 عن غريب القرآن لأبي عبيد ج ص ونقله أيضاً عن المصادر التالية:

شفاء الصدور لأبي بكر النقاش، والكشف والبيان للثعلبي، ودعاة الهداة للحاكم الحسكاني. والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تفسير سورة المعارج، وتذكرة الخواص ص19 والإكتفاء للوصابي الشافعي وفرائد السمطين باب 13 ومعارج الوصول للزرندي الحنفي، وجواهر العقدين للسمهودي الشافعي وتفسير أبي السعود العمادي ج8 ص292 والسراج المنير (تفسير) ج4 ص364 للشربيني الشافعي، والأربعين في مناقب أمير المؤمنين لجمال الدين الشيرازي وفيض القدير في شرح الجامع الصغير للمناوي ج6 ص218 والعقد النبوي والسر المصطفوي لابن العيدروس ووسيلة المآل لأحمد بن باكثر الشافعي ونزهة المجالس ج2 ص242 للصفوري الشافعي والسيرة الحلبية ج3 ص302 والصراط السوي في مناقب النبي للقادري المدني وشرح الجامع الصغير ج2 ص387 للحفني الشافعي ومعارج العلى في مناقب المرتضى لمحمد صدر العالم وتفسير شاهي لمحمد محبوب العالم، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج7 ص13 وذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللآلي لعبد القادر الحفظي الشافعي والروضة الندية لمحمد بن إسماعيل اليماني ونور الأبصار ص78 للشبلنجي الشافعي والمنار (تفسير) لرشيد رضا ج6 ص464).

 

وقد رد ابن تيمية هذا الحديث لعدة أدلة أوردها وتبعه غيره (راجع: منهاج السنة ج4 ص13 وتفسير المنار لرشيد رضا ج6 ص464 فما بعدها).

 

وأدلته هي التالية:

1- إن قصة الغدير إنما كانت بعد حجة الوداع بالإجماع ـ والروايات تقول: إنه لما شاعت قصة الغدير جاء الحارث وهو بالأبطح بمكة. مع أن اللازم أن يكون مجيئه الرسول (صلى الله عليه وآله) في المدينة.

 

2- ان سورة المعارج مكية باتفاق أهل العلم..

 

3- إن قوله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، نزلت عقيب بدر بالاتفاق. وقصة الغدير كانت بعد ذلك بسنين.

 

4- إن هذه الآية نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكة، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي (صلى الله عليه وآله) لقوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.

 

5- لو صح ذلك لكانت آية كآية أصحاب الفيل، ومثلها تتوفر الدواعي على نقله، مع أن أكثر المصنفين في العلم وأرباب المسانيد والصحاح والفضايل والتفسير والسير قد أهملوا هذه القضية، فلا تروى إلا بهذا الإسناد المنكر.

 

6- إن الحارث المذكور في الرواية كان مسلماً حسبما ظهر في خطابه المذكور مع النبي، ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لم يصبه عذاب على عهد النبي (صلى الله عليه وآله).

 

7- إن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة، ولم يذكر في الاستيعاب ولا ذكره ابن منده، وأبو نعيم وأبو موسى في تآليفهم في أسماء الصحابة.

 

ونقول:

إن جميع ذلك لا يمكن قبوله.. وسوف نكتفي بما ذكره العلامة الأميني رحمه الله، فنذكره ملخصاً، فنقول:

 

1- بالنسبة للدليل الأول نقول:

أ: إن كلمة الأبطح إنما وردت في بعض الروايات دون بعض، فإطلاق الكلام بحيث يظهر منه أن الإشكال يرد على جميعها في غير محله.. وعبارة تذكرة الخواص، ومعارج العلى أن مجيء السائل كان إلى المسجد. وقد نص في السيرة الحلبية على أن ذلك قد كان في مسجد المدينة.

 

ب: إن كلمة الأبطح لا تختص ببطحاء مكة، بل هي تطلق على كل مسيل فيه دقائق الحصى، فراجع معجم البلدان ج2 ص213 و215 .. وقد ورد في البخاري في صحيحه ج1 ص181 و175 ومسلم ج1 ص382 أحاديث ترتبط بالبطحاء بذي الحليفة.

 

وورد التعبير بذلك أيضاً في كلام عائشة عن موضع قبر النبي (صلى الله عليه وآله) كما في مصابيح السنة للبغوي ج1 ص83.

 

وثمة أحاديث عن حذيفة بن أسيد، وعامر بن ليلي، تذكر في أحاديث الغدير: أنه حين رجوع النبي (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع، فلما كان بالجحفة نهى عن سمرات متقارت بالبطحاء أن لا ينزل تحتهن أحد (فراجع الغدير ج1 ص26 و46 وفي معجم البلدان ص213 ـ222 والبلدان لليعقوبي ص84 حديث عن بطحاء واسط، وبطحاء ذي الحليفة، وبطحاء ابن ازهر، وبطحاء المدينة، وهو أجل من بطحاء مكة، وقد نسب البطحاوي العلوي إلى جده قوله:

وبطحا المدينة لي منزل  *  فيا حبذا ذاك من منزل..

 

وفي قول حيص بيص المتوفي سنة 574 هـ.

ملكنا فكان العفو منا سجية *  فلما ملكتم سال بالدم أبطح.

 

ويوم البطحاء (منسوب إلى بطحاء ذي قار) من أيام العرب المعروفة.

 

ومن الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام):

أنا ابن المبجل بالأبطحين  *  وبالبيت من سلفي غالب.

 

قال المبيذي في شرحه: يريد أبطح مكة والمدينة.

 

2- وأما الجواب عن الدليل الثاني، وهو أن سورة المعارج مكية بالإجماع لا مدنية، فنقول:

 

أولا:

إن الإجماع إنما هو على أن مجموع السورة كان مكياً، لا جميع آياتها. فلعل هذه الآية بالخصوص كانت مدنية.. وقد يعترض على ذلك بأن المتيقن في اعتبار السورة مكية أو مدنية هو تلك التي تكون بداياتها كذلك، أو تكون تلك الآيات التي انتزع اسم السورة منها كذلك..

 

والجواب عن ذلك..

أ- إن هناك سوراً كثيرة يقال عنها إنها مكية مثلاً مع أن أوائلها تكون مدنية، وكذلك العكس، وذلك مثل:

سورة العنكبوت.. فإنها مكية إلا عشر آيات من أولها. (راجع جامع البيان ج20 ص86 والجامع لأحكام القرآن ج13 ص323 والسراج المنير للشربيني ج3 ص116.

 

سورة الكهف، مكية إلا سبع آيات من أولها. راجع: الجامع لأحكام القرآن ج10 ص346 والإتقان ج1 ص16.

سورة المطففين مكية إلا الآية الأولى (وفيها اسم السورة) راجع جامع البيان ج30 ص58.

سورة الليل مكية إلا أولها: (وفيها اسم السورة أيضاً) راجع: الإتقان ج1 ص17.

وهناك سور أخرى كثيرة مكية، وفيها آيات مدنية.. فراجع..

 

ب- وهناك سور مدنية وفيها آيات مكية، مثل:

سورة المجادلة، فإنها مدنية إلا العشر الأول (وفيها تسمية السورة) راجع: تفسير أبي السعود (مطبوع بهامش تفسير الرازي) ج8 ص148 والسراج المنير ج4 ص210.

 

سورة البلد وهي مدنية إلا الآية الأولى، (وفيها اسم السورة) وحتى الرابعة (راجع: الإتقان ج1 ص17) وغير ذلك.

 

ثانيا:

إننا لو سلمنا: أن هذه السورة مكية فإن ذلك لا يبطل الرواية التي تنص على نزولها في مناسبة الغدير، لإمكان أن تكون قد نزلت مرتين، فهناك آيات كثيرة نص العلماء على نزولها مرة بعد أخرى، عظة وتذكيراً، أو اهتماماً بشأنها، أو اقتضاء موردين لنزولها أكثر من مرة، نظير: البسملة، وأول سورة الروم، وآية الروح. وقوله: ما كان النبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.. وقوله: أقم الصلاة طرفي النهار.. وقوله: أليس الله بكاف عبده.. وسورة الفاتحة، فإنها نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة، ولتثنية نزولها سميت بالمثاني.

 

3- وعن الدليل الثالث أجاب:

أن نزول الآية قبل سنوات، لا يمنع من أن يتفوه بها هذا المعترض على الله ورسوله، يظهر كفره بها. ولعله قد سمعها من قبل، فآثر أن يستخدمها في دعائه، لإظهار شدة عناده وكفره أخزاه الله.

 

4- وعن الدليل الرابع أجاب:

أ: إنه قد لا ينزل العذاب على المشركين لبعض الأسباب المانعة من نزوله، مثل إسلام جماعة منهم، أو ممن هم في أصلابهم، ولكنه ينزل على هذا الرجل الواحد المعاند في المدينة لارتفاع المانع من نزوله.

 

ب: قد يقال: إن المنفي في آية {مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} هو عذاب الاستئصال للجميع، ولا يريد أن ينفي نزول العذاب على بعض الأفراد..

 

ج- قد دلت الروايات على نزول العذاب على قريش، وذلك حين دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم بأن يجعل سنيهم كسني يوسف (عليه السلام) فارتفع المطر، وأجدبت الأرض، وأصابتهم المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف.. راجع صحيح مسلم ج2 ص468 والبخاري ج2 ص125 وتفسير الرازي ج7 ص467 والنهاية في اللغة ج3 ص124.

 

د- انه قد نزل العذاب أيضاً على بعض الأفراد بدعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما جرى لأبي زمعة، الأسود بن المطلب، ومالك بن الطلالة، فراجع الكامل في التاريخ ج2 ص27 وما جرى للحكم بن أبي العاص، راجع الاستيعاب بهامش الإصابة ج1 ص218 والنهاية في اللغة ج1 ص345 والإصابة ج1 ص345و346 والخصائص الكبرى ج2 ص79 وما جرى لجمرة بنت الحارث، راجع الإصابة ج1 ص276 والخصائص الكبرى ج2 ص79 وكما جرى لذلك الرجل الذي كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) راجع الخصائص الكبرى ج2 ص78 وما جرى للهب بن أبي لهب كما في الخصائص ج1 ص147 وكذلك عتبة بن أبي لهب كما في الخصائص ج1 ص147 والنهاية في اللغة ج3 ص21.

 

هـ- قد هدد الله قريشاً بقوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}.. وإذا كان مناط الحكم هو إعراض الجميع، فإن الصاعقة لم تأتهم لأن بعضهم قد آمن. ولو أنهم استمروا جميعاً على الضلال لأتاهم ما هددهم به. ولو كان وجود النبي (صلى الله عليه وآله) مانعاً من جميع أقسام العذاب، لم يصح هذا التهديد.. ولما أصيب الحكم بن أبي العاص، وغيره ممن تقدمت أسماؤهم..

 

5- وعن الدليل الخامس أجاب رحمه الله:

إن حادثة الفيل استهدفت تدمير أعظم رمز مقدس لأمة بأسرها، فالدواعي متوفرة على نقلها.. أما قصة هذا الرجل الذي واجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قضية الغدير، فالدواعي لنقلها أقل بكثير، وهي ككثير من معجزات الرسول (صلى الله عليه وآله) التي لم تنقل عن طريق الآحاد، وبعضها قد قبله المسلمون من دون نظر في سنده..

 

بل الدواعي متوفرة على طمس هذه القضية، وذلك إمعاناً في إضعاف واقعة الغدير، وإبعادها عن أذهان الناس وإنساء الناس لها.

 

وأما دعواهم: أن المصنفين قد أهملوا هذه القضية، فهي مجازفة ظاهرة، إذ قد تقدم أن كثيرين منهم قد رووها..

 

6- وعن الدليل السادس أجاب رحمه الله..

بأن الحديث كما أثبت إسلام الحارث، فإنه قد أثبت ردته.. والعذاب نزل عليه، بعد ردته لا حين إسلامه، فلا يصح قوله: إنه لم يصب العذاب أحداً من المسلمين في عهد النبي (صلى الله عليه وآله).

 

ثم ذكر شواهد عن عذاب لحق المسلمين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كقصة جمرة بنت الحارث، وغيرها. وقصة ذلك الذي ركل عند النبي (صلى الله عليه وآله) بشماتة وقد رواها مسلم في صحيحه، وقصة الإعرابي الذي عاده رسول الله (صلى الله عليه وآله) .. وأنه حين ناقض رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ما يجري له.. قال له النبي (صلى الله عليه وآله): فنعم إذا. فما أمسى من الغد إلا ميتاً، راجع صحيح البخاري ج5 ص227 وكذا بالنسبة لمن نقى شعره في الصلاة، فقال له (صلى الله عليه وآله) قبح الله شعرك، فصلع مكانه، راجع أعلام النبوة للماوردي ص81.

 

7- وأجاب عن الوجه السابع:

بأن معاجم الصحابة لم تستوف ذكر جميعهم، وقد استدرك المؤلفون على من سبقهم أسماء لم يذكروها. وقد أوضح العسقلاني ذلك في مستهل كتابه "الإصابة" فراجع.. وقد ذكروا: أن النبي (صلى الله عليه وآله) توفي وكان عدد من رآه وسمع منه زيادة على مئة ألف إنسان..

 

أضف إلى ذلك أنه قد يكون إهمال ذكر هذا الرجل في معاجم الصحابة كان لأجل ردته..

 

تلك هي خلاصة لما ذكره العلامة الأميني في كتابه القيم "الغدير" ونظن أنها تكفي لإعطاء صورة من هذا الموضوع، وللعلامة الطباطبائي في كتاب "الميزان" ج2 ص5 و6 و11 وج9 ص67-71 كلام مفيد أيضاً فليراجع.

 

والحمد لله رب العالمين.

جعفر مرتضى العاملي

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
46050655

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية