header_small2
» عرض مسألة » القسم: شبهات وإشكالات
» معنى: (إنما الحرام ما حرمه الله في القرآن)
أجاب عليها: سماحة الشيخ محمد صنقور | عدد القراءات: 4002 - نشر في: الثلاثاء 03 يناير 2012 م 11:00 ص 
المسألة: هل العبارة الواردة في مجموعة من الروايات "إنما الحرام ما حرم الله في كتابه أو في القرآن" محمولة على التقية؟

 

وذلك لأن هذا المضمون لا يتناسب مع كون أهل البيت (ع) مصدرا لمعرفة الحكم الشرعي -ولا أقول التشريع- وذلك لأنه من الواضح أن أكثر الأحكام التحريمية وغيرها، مأخوذة عن أهل البيت (ع)، فهذه العبارة أشبه بمقولة حسبنا كتاب الله فتكون قرينة على التقية.

الجواب: انَّ مما لاريب فيه عند عموم المسلمين انَّ المحرمات -وكذا سائر الاحكام? لاتنحصر فيما أورده القرآن الكريم بل انَّ أكثرها تمَّ التعرُّف عليها عن طريق النبي الكريم (ص) وأهل البيت (ع) وهم قد تلقَّوه عن النبي (ص).

 

ولذلك لابدَّ من صرف روايات "انَّما الحرام ماحرَّمه الله في القرآن" عن ظهورها الاولي أو ردِّ علمها الى أهلها نظراً لمنافاة ظهورها الاولي لما هو المقطوع بمنافاته للولقع الخارجي, فانَّ الكثير من المحَّرمات عُرفت عن طريق النبي (ص) بنحو التواتر الاجمالي ولم يكن القرآن قد تصدى لبيانَّ حرمتها.

 

والظاهر انَّه لايصح حمل شيءٍ منها على التقية, إذ لايلتزم أحدٌ من المسلمين بانَّحصار المحَّرمات فيما حرَّمه الله عزَّوجل في كتابه, هذا مضافاً الى انَّ بعض الروايات التى اشتملت على فقرة "انَّ الحرام ماحرمه الله في القرآن" وقعت في سياق بيانَّ حكم مناف ٍ لما عليه العامة وهى معتبرة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) انَّهما سألاه عن أكل لحم الحمر الاهليه فقال: نهى رسول الله (ص) عن أكلها يوم خيبر وإَّنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لانَّها كانَّت حمولة للناس وانَّما الحرام ما حرَّمه الله في القرآن" (1) فهذه الرواية لايصحُّ حملها على التقية وذلك لانَّ ما عليه العامة هو حرمة الحُمر الأهلية ومفاد الرواية هو حلِّيتها.

 

وعليه فهنا احتمالان لما هو المراد من الفقرة المذكورة:

الاحتمال الاول: انَّ مراد الائمة (ع) من قولهم "إنَّما الحرام ما حرَّمه الله في كتابه" "أوفي القرآن" هو انَّ كل شيء أدُعيت حرمته فكان مورداً للخلاف بين المسلمين فالمرجع فيه هو كتاب الله تعالى, فانْ كان كتاب الله قد حرَّمه فهو حرام وإلافلا يصحُّ البناء على حرمته, فالحرام في مواردعدم التثبت من الحرمة هو خصوص ما حرمه الله تعالى, فالحصر هنا بالاضافة الى الشيءالذي لم يُتثبت من حرمته.

 

وهذا الاحتمال يتناسب مع معتبرة زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) فالعامة كانت تدَّعى حرمة الحمُر الاهلية والامام (ع) أفاد انه لم تثبت الحرمة عن النبي (ص) ونهيُه عنها في خيبر كان لمصلحةٍ وقتية وحيثتنَّ العامة يدعون غير ذلك فالمرجع في فصل هذا الخلاف هو كتاب الله, فالحرام في كلِّ هذه الموارد هو ماحرَّمه الله في كتابه.

 

الاحتمال الثاني: انَّ مرادهم (ع) من القول:"إنَّما الحرام هو ما حرَّمه الله في كتابه" هو انَّ الحرام من الاطعمة هو ماوردت حرمته في القرآن إما بالتنصيص عليه بعنوانه أو لكونه داخلا تحت أحد العمومات كقوله تعالى:" وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ" أو كان واجداً لأحد ملاكات الحرمة المُستنبَطة من مفاد الأيات.

 

فالحصر الذي اشتملت عليه فقرة "إنَّما الحرام ماحرَّمه الله في كتابه" ليس مطلقاً وانما هو بالاضافة الى خصوص الاطعمة وذلك بقرينة انَّ هذه الفقرة لم ترد إلافي سياق السؤال عن حكم بعض الاطعمة.

 

وأما القول إنَّ بعض الاطعمة التى ثبتت لها الحرمة لايحُرز دخولها تحت أحد العمومات الواردة في القرآن فجوابه انَّه لو صَّح هذا الاحتمال لكان هذا الاشكال غير واردٍ نظراً لاحتمال إرادة دخولها واقعاً تحت أحد العمومات, غايته انَّ إدراك ذلك لايتيَّسر لغير النبي (ص) واهل بيته (ع) فوحدهم مَن يعلم بتمام المرادات الواقعية للقرآن وأما غيرهم فحظُّهم من فهم مرادات الكتاب الواقعية هو بعضها, فقد ينشأ الجهل عند غيرهم من عدم وضوح سعة المفهوم الذي جُعلت علية الحرمة, وقد ينشأ من عدم القدرة على استنباط الملاكات الواقعية للحرمة من الآيات, وقد ينشأ عن الجهل بواقع المصداق الذي يقع البحث في دخوله وعدم دخوله تحت أحد العمومات, فلو اتفق لهم العلم بما عليه هذا المورد لأحرزوا دخوله تحت أحد العمومات.

 

وهذه المناشىئ للجهل منتفية عند النبي (ص) وأهل بيته (ع) لذلك لامانع من الالتزام بأن جميع المحرمات من الاطعمة قد أورده الله عزوجل في كتابه غايته انَّ بعضها يمكن استظهاره للعارفين بضوابط الاستنباط العقلائية وبعضها لايُتاح التعرُّف عليها إلا بواسطة النبي (ص) وأهل بيته (ع). نظراً لكونهم العارفين بتمام مرادات الكتاب المجيد.

 

وهنا احتمال ثالث وهو انَّ الحصر ليس إضافياً من جهة الاطعمة فلمَراد من الحرام هو مطلق الحرام من الاطعمة وغيرها, ويترَّجح هذا الاحتمال على الثانَّي من جهة انَّ الاصل عند استعمال أحد أدوات الحصر هو إرادة الحصر المطلق وأن إرادة الحصر الاضافي مفتقر للقرينة, فإذا لم تكن القرينة المذكورة في الاحتمال الثاني على إرادة الحصر الاضافي تامة فلا مانَّع من بالالتزام بالحصر المطلق وانه ليس من محرمٍ إلا ما حرَّمه الله في كتابه.

 

والإشكال من جهة ان بعض ما ثبتت له الحرمة في الشريعة لايُحرز دخوله تحت أحد العمومات أو لانجد عليه دليلاً في كتاب الله عزوجل يتضح جوابه مما تقدم في الاحتمال الثاني.

 

وأما الاشكال على الاحتمال الثاني والثالث بدعوى انَّ فقرة "انَّما الحرام ما حَّرمه الله في القرآن" وردت في سياق روايات نفت الحرمه عن اشياء ثبتت حرمتها في مذهبنا وهو ما يقتضي حملها على التقية.

 

فجوابه انَّه لامانَّع من حمل النفى لحرمة هذه الاشياء على التقية مع الالتزام بمطابقة هذه الفقرة للواقع, فيكون سوقها ضمن ما يُعلم إيراده تقيةً كان لغرض المداراة وتأكيد نفي الحرمة لنفي التهمة, فالمتلقِّي من العامة لكلام الامام (ع) يفهم منه انَّ الامام(ع) كان بصدد الاستدلال على نفي لحرمة فيطمئن من ذلك ان فتوى الامام مطابقة لفتواهم.

 

فمثل معتبرة محمد بن مسلم قال : سألتُ أباعبد الله (ع) عن الجري والمارماهي والزمير وماليس له قشر من السمك أحرام هو ؟ فقال لي : يا محمد اقرأ هذه الأية التى في لإنعام " قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا " فقرأتها حتى فرغت منها فقال (ع) انما الحرام ماحرم الله ورسوله في كتابه ولكنهم قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها"(2).

 

فمتل هذه الرواية وان كان نفى الامام (ع) فيها الحرمة عن الاشياء المذكورة قد صدر منه تقية نظراً لثبوت حرمتها عنهم إلا انَّ ذلك لايقتضي ان تكون فقرة "إنَّما الحرَّم ما حرام الله ورسوله في كتابه" غير مرادة جداً وغير مطابقة للواقع نعم إيرادها في سياق التأكيد على نفي الحرمة نشأ عن التقية ولكن ذلك لايقتضي ان يكون مضمونها منافياً للواقع كما هو حال الحرمة في منافاته للواقع.

 

فسَوقها في مقام نفي الحرمة عن الاشياء المذكورة وان كان قد صدر تقيًة إلا انَّ ذلك لايُلازم منافاة مضمونها للواقع كما هو الحال في سَوق الأية المباركة في مقام نفي الحرمة, فهو قد أراد من سوق الأية التأكيد تقيةً على نفي الحرمة وكذلك هو مراده ظاهراً من سوق الفقرة المذكورة الظاهرة في حصر الحرام فيما حَّرمه الله تعالى في كتابه.

 

والمتحَّصل انه لامانع من الالتزام بحصر الحرام فيما حرَّمة الله تعالى, في كتابه إلا انَّ الوقوف على كِّل ماحرَّمة الله في الكتاب ليس متيسَّراً لكلِّ أحد.

الهوامش:

1- الكافي - الشيخ الكليني - ج 6 ص 246.

2- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 24 ص 136.

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
45138854

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية