الولاية نعمة الله العظمى

﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾(1).

في جو عام تحلق آيات هذه السورة لتخاطب الذين أخذهم اللهو والترف بأن يتلهون بالافتخار بما يمتلكون من أموال وأولاد وخدم .. وأخذتهم حالات التفاخر بعيدًا حتى وصلوا إلى أن ذهبوا يعدون القبور ليخرجوا بنتيجة أيهم يكون غالبًا فالذين يكون عدد موتاهم أكثر وأحيائهم أكثر هم الغالبون، هذه الحالة من التفاخر والتَّعالي أخذتهم بعيدًا بعيدًا جدًا في غفلة عمّا ينتظرهم من الخسران والعذاب نتيجة غفلتهم ولهوهم، وأنهم سيرون أن لا أموالهم ولا أولادهم ولا كل ما كان تحت أيديهم سيغني عنهم من الله شيئًا، وإن الذي يخدم الإنسان ويفيده هو عمله الصالح وتقواه والتزامه بما أمر الله وانتهاؤه عمّا نهى الله عنه، وإنه مُسَائَلٌ عن كل شيء في هذه الحياة، وإنَّ الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وإن هؤلاء المتفاخرين بالحطام وبالذي سيفرُّ عنهم يوم السؤال ﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ / يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾(2)، لو علموا بما ينتظرهم من حساب وعقاب لاستعدوا له ولكنهم أنكروا ذلك وفضلوا حياة الغفلة والبعد عن الصراط المستقيم.

وتتدرج السورة الكريمة في بيان جريمة هؤلاء الناس وغفلتهم، ثم بيان الإنذار والتحذير لهم ثم تؤكد ورودهم على الجحيم وإنهم مساءلون، ولكن عن ماذا هم مساءلون؟

قيل إن النعيم الذي سيساءل عنه النّاس يوم القيامة هي جميع النعم التي توصله إلى الكمال والرقي الإنساني ونيل الرضوان من الرب الجليل عز وجل شأنه، وهذه النعم تنقسم إلى قسمين: نعم مادية، ونعم معنوية.

فأمَّا النِّعَم المادية فهي جميع ما أفاضه الله تعالى برحمته وكرمه على الإنسان من نعم ظاهرة في هذه الحياة الدنيا.

وأما النعم المعنوية فهي رسالة الإسلام والنبي وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾(3) وكذلك نعمة العقل والنظرة السليمة.

وإنما يساءل الإنسان عن هذه النعم لأنها وضعت بين لديه لأجل إيصاله إلى الهدف الذي من أجله خلق وهو أن يكون عابدًا لله تعالى، فعلى الإنسان أن يسخر هذه النعمة لما يحقق الهدف لا أن يصرفها عن الغاية التي وضعت لها.

ولكن السؤال هنا: ما قيمة النعم المادية حتى يساءل عنها الإنسان ويوبخ، هل لها دخالة في انحراف مسيرته؟

إن هذه النعم المادية لا تساوي عند الله شيئا، بل إن الدنيا كلها لا تساوي عنده تعالى شيء ولو أنها كانت تساوي جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربة ماء.

إذن إنَّ النعيم الذي سيساءل عنه الإنسان وخصوصًا بحسب تعبير الآية الكريمة وهو على شفير جهنم هو غير هذه النعم المادية، لأن الذي أوصله إلى هذه الهداية وجعله في حياته الدنيا يتفاخر بهذه النعم ظنًا منه أنها كل شيء هو حتمًا أمر غفل عنه فانحرفت مسيرته وظل طريقه، ولو أنه عرف الطريق واهتدى إليه لكان مغفورًا له؛ لأنه سيكون عبدًا لله يمتثل لأوامره ويلتزم طريق الهداية والعمل الصالح. لذلك نجد الآية الكريم تعبر عن هذا المعنى، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾(4).

والهداية فسرت في هذا المقام بحسب ما ورد عن الإمام الصادق (ع) بأنها الولاية، إذن الولاية هي ضمان الاستقامة على الدين، باعتبار أن الأئمة الهداة هم الامتداد الرساليّ لحركة الرسول الأعظم (ص) وإنهم الهادون المهديون.

وعلى هذا التقدير يكون الانحراف عن ولايتهم هو الخسران المبين، وبهذا يكون النعيم الذي يساءل عليه الإنسان هو نعيم الهداية والولاية، فالذي يضيعها فإنه قد ضيع الأمانة وخان الوصية التي أوصاها رسولنا العظيم محمد (ص).

ولأنها هي المطلوبة فقد احتاجت إلى العلم اليقيني، وإلا ما قيمة الماديات الفانية والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾(5).

وجاء في الرواية عن أبي حمزة أنه قال: "كنا عند أبي عبد الله الصادق (ع) جماعة، فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبًا، وأوتينا بتمر ننظر فيه إلى وجوهنا من صفاته وحسنه، فقال رجل: لتسألنّ عن هذا النعيم الذي نعمتم به عند ابن رسول الله (ص)، فقال أبو عبد الله (ع): "إنّ الله عز وجل أكرم وأجلُّ من أن يطعمكم طعامًا فيسوّغكموه ثم يسألكم عنه، ولكن يسألكم عمّا أنعم عليكم بمحمد وآل محمد (ع)"(6).

وفي رواية أخرى عن العيّاشي بإسناده، قال: "سَأَلَ أبو حنيفة أبا عبد الله الصادق (ع) عن هذه الآية ﴿ثم لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ فقال له (ع): "ما النّعيم عندك يا نعمان؟". قال: "القوت من الطعام والماء البارد".فقال (ع): "لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها، ليطولنّ وقوفك بين يديه".قال: "فما النّعيم جعلت فداك؟". قال (ع): "نحن؛ أهل البيت، النّعيم الّذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداءً، وبنا هداهم الله للإسلام، وهو النّعمة التي لا تنقطع والله سائلهم عن حق النّعيم الّذي أنعم به عليهم؛ وهو النبيّ (ص) وعترته"(7).

--------------

1- سورة التكاثر / 8.

2- سورة عبس / 33-34.

3- سورة آل عمران / 164.

4- سورة طه / 82.

5- سورة محمد / 12.

6- فروع الكافي ج6 / ص280 / حديث رقم 3 / طبعة سنة 1367 هـ دار الكتب الإسلامية.

7- تفسير كنز الدقائق ج14 / ص477.