شارك هارون في عبادة العجل أو لم يشارك؟!

شبهة مسيحي:

تضاربت آياتُ القرآن في مشاركة هارون لبني إسرائيل في عبادة العجل الذهبي، فالمذكور في الآية تسعين من سورة طه انَّه لم يشارك ولكن المذكور في سورة الأعراف في الآية الحادية والخمسين ومائة هو انَّه شاركهم في عبادة العجل، والمستفاد من الآية الثانية والتسعين من سورة طه هو انَّ هارون سمح لبني إسرائيل في عبادة العجل الذهبي، فما هو الحق في ذلك هل شارك أولم يشارك أو انَّه سمح ولم يشارك؟

 

الجواب:

مقدِّمة: دعوى جزافيَّة:

دعوى التضارب في الشأن المذكور بين آيات القرآن أشبهُ بالأمنية منها إلى الدعوى التي عادةً ما تكون مبتنية على الملاحظة المتأنية المقتضية على أقلِّ تقدير لوقوع الظن في نفس المدَّعي بصوابيَّة دعواه، فحتى لو لم تصمد مثل هذه الدعوى بعد عرضها أمام النقد لكنَّها تبقى محلَّاً لتفهُّم الخصم إيرادها من خصمه، وأما الدعوى الجزافيَّة التي لم يكلِّف مدَّعيها نفسه بأدنى مراتب التأمُّل فحقُّها أنْ تعدَّ من الأماني، لأنَّ مثلها لا تصدر إلا عن رغبةٍ يتمنَّى صاحبها لو انَّها متحقِّقة، وهذه الرغبة إمَّا أنْ تبلغ في نفسه حدَّاً يترتَّب عنها السقوط في شَرَك الوهم فيراها وقد وقعت وصار بوسعه الحديث عن وقوعها، وإمَّا انْ لاتبلغ به الرغبةُ مستوى الإنفصام والذهول عن الواقع ولكنَّه رغم ذلك يدَّعي وقوعها لحرصه على أنْ يظهر أمام خصمه أو من يُحب في مظهر الواجد لهذه الرغبة.

 

المحور الأول: الكلام في دعوى المشاركة:

وعلى أيِّ تقدير فدعوى التضارب في الشأن المذكور بين الآيات المشار إليها لا تعدو الوهم أو تعمُّد الإيهام، فالآية من سورة الأعراف المدَّعى ظهورها في مشاركة هارون (ع) لبني إسرائيل في عبادة العجل هي قوله تعالى على لسان موسى (ع): ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(1).

 

تحرير الدعوى:

والتقريبُ لدعوى إستظهار المشاركة في عبادة العجل من الآية المباركة هو انَّ دعاء موسى (ع) لأخيه بالمغفرة وقع بعد رجوعه من ميقات ربِّه ومشاهدته لما أحدثه بنو إسرائيل من عبادة العجل وتوبيخه لهم ولأخيه هارون، بعدئذٍ وفي ظلِّ هذه الأجواء وقع الدعاء منه لأخيه بالمغفرة، وذلك ما يُعبِّر عن انَّ هارون كان قد إجترح ذنباً إسترعى من أخيه موسى انْ يدعو له بالمغفرة، وليس من ذنبٍ يتناسب وهذه الأجواء سوى انَّ هارون كان قد شارك بني إسرائيل في عبادة العجل.

 

جوابُ الدعوى:

أولاً: كيف شاركهم وهم قد استضعفوه حتى كادوا أن يقتلوه؟!

فهذا هو أفضل ما يُمكن أنْ تُقرَّب به دعوى دلالة الآية على مشاركة هارون لبني إسرائيل في عبادة العجل، ورغم ذلك فإنَّه وبأدنى تأمُّل يتَّضح انَّ هذه الدعوى في غاية السقوط، فحتى لو سلَّمنا جدلاً انَّ الدعاء بالمغفرة لا يكون إلا عن ذنبٍ كان قد أُرتكب فإنَّ من غير المحتمل انْ يكون ذلك الذنب هو العبادة للعجل، إذ انَّ الآية التي سبقت هذه الآية دون فصل تنفي هذا الإحتمال بما لايدع مجالاً للريب، وذلك لشدَّة وضوحها، وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(2).

 

فالآيةُ أفادت انَّ بني إسرائيل كانوا قد إستضعفوه وإستصغروه، وكادوا يقتلونه، وهو ما يعني شدَّة غيظهم منه حتى انَّه بلغ منهم حدَّاً حملهم على انْ يهمُّوا بقتله، وهذا لا يكون منهم لولا انَّه مانعهم وعارضهم بل يظهر من الآية المباركة انَّ معارضته لهم كانت من الشدَّة بحيث انَّهم قد همَّوا بقتله، ولا يهمُّ أحدٌ بقتل آخر هو بحجم هارون ووجاهته لولا الغيظُ الذي إنتابهم من موقفه، ولولا الشعور المتعاظم منهم بأنَّ وجوده قد يحول دون بلوغهم لمأربهم الذي عقدوا العزم على مقارفته.

 

وهو ما يكشف عن شدَّة الممانعة التي أبداها نبيُّ الله هارون (ع) لبني إسرائيل، وحينئذ كيف يسوغ لأحدٍ يحترم عقله أنْ يحتمل مشاركة هارون لبني إسرائيل في عبادة العجل، فلماذا إذن إستضعفوه وإحتقروه وأرادوا قتله لو كان قد مالئهم على ما إجترحوه من ذنبٍ عظيم؟!! أليس مقتضى الممالئة من مثل هارون في مثل هذه القضية هو انْ يسترعي ذلك منهم الإحتفاء به وإتخاذه واحداً من وسائل التضليل، نظراً لمقامه فيهم وكونه أخاً لموسى وشريكا له في دعوته؟!!

 

ثانياً: هارون (ع) يُصرِّح بأنَّهم أعداءٌ و ظالمون!

ثم لماذا عبَّر عنهم هارونُ في الآية بالأعداء لو كان قد شاركهم في عبادتهم للعجل؟! أليس التعبير عنهم بالأعداء يكشف عن أنَّه كان قد ناوءهم وصارمهم وأبغضهم لسوء صنيعهم؟

 

هذا وقد وصف هارونُ في ذات الآية اللذين عبدوا العجل بالظالمين مضافاً إلى وصفه لهم بالأعداء قال تعالى على لسانه: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فوصفُه لهم بالظالمين يعني أنَّه ينئى بنفسه عنهم، ويراهم قد إجترحوا ما يستحقون عليه النعت بالظالمين، فلو انَّه كان قد شاركهم في هذا الوزر لكان مثلهم مستحقاً لهذا النعت ولما صحَّ له ان ينئى بنفسه عنهم.

 

لماذا دعى موسى (ع) لأخيه بالمغفرة؟

فهذه الآية تكشف بما لا يدع مجالا للشك عن انَّ دعاء موسى (ع) لأخيه بالمغفرة لم ينشأ عن دعوى مشاركته لبني إسرائل في عبادة العجل، فلو سلَّمنا جدلاً انَّ هارون كان قد إرتكب ذنباً إسترعى من أخيه موسى ان يدعوَ له بالمغفرة فإنَّ من المحتَّم انَّ ذلك الذنب لم يكن هو المشاركة لبني إسرائيل في عبادة العجل كما إتَّضح مما تقدم، فلعلَّ ذلك الذنب هو عدم الشدَّة في مقارعتهم لخشيته من وقوع الفتنة مع إفتراض انَّ هذا التقدير منه كان خاطئاً أو انَّ الذنب هو عدم خروجه من مجتمعهم بعد أن وجد نفسه عاجزاً عن ردعهم مع إفتراض انَّ هذا التقدير كان خاطئاً أيضاً، فإذا إفترضنا أنَّ ذنباً كان قد صدر من هارون (ع) فلا بدَّ ان يكون من هذا القبيل، ويُؤيده ما ورد في سورة طه على لسان هارون حين كان يبرِّر لأخيه ما كان قد إتخذه من موقفٍ تجاه ما أحدثه بنو إسرائيل من عبادة العجل: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾(3) فظاهر الآية انَّه كان يعتذر عن عدم مقارعتهم أو عدم الإنفصال بمَن إتَّبعه عنهم بأنَّه كان يخشى من تقريع موسى له بعد ذلك وإتَّهامه له بأنَّه تسبَّب بموقفه ذلك في إحداث الفرقة بين بني إسرائيل ولم ينتظر بهم ريثما يرجع موسى من ميقات ربِّه وهو معنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.

 

فلو سلَّمنا جدلاً بأنَّ الدعاء لهارون بالمغفرة كان لذنبٍ إرتكبه فذلك الذنب هو طبيعة الموقف الذي إتَّخذه من بني إسرائيل حيثُ لم يكن هو الموقف الأنسب، فهو وإنْ كان قد وعظهم وحذَّرهم الإفتتان عن دين الله تعالى ودعاهم إلى طاعته لكنَّه لم يتشدَّد مثلاً في مقارعتهم كما يظهر من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾(4).

 

فعدم التشدُّد في مقارعتهم وإتَّخاذ خيار التريُّث في الأمر حتى يرجع موسى من ميقات ربِّه لمَّا لم يكن هو الخيار الأنسب لذلك إقتضى الأمر انْ يتصدَّى موسى (ع) للدعاء إلى أخيه بالمغفرة.

 

لا ملازمةَ بين الدعاء بالمغفرة وصدور الذنب:

كلُّ ذلك مبنيٌّ على التسليم بالملازمة بين الإستغفار وصدور الذنب، وأمَّا لو تمَّ الإنكار لدعوى الملازمة فإنَّ إستظهار صدور الذنب من هارون لمجرَّد الدعاء له من أخيه بالمغفرة يسقط من أساسه، وذلك هو الصحيح، إذ لا دليل على الملازمة بين الإستغفار وصدور الذنب وإنَّه كلما دعا أحدٌ لنفسه أو لغيره بالمغفرة كان ذلك كاشفاً عن صدور ذنبٍ من المدعو له، ولو صحَّ ذلك للزم انْ يكون موسى (ع) قد إرتكب في تلك الواقعة ذات الذنب الذي إرتكبه هارون او انَّه إرتكب غيره في تلك الواقعة، لأنَّه حين دعا بالمغفرة لم يدعُ لهارون وحده بل دعا لنفسه ولأخيه هارون: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(5) فأيُّ ذنبٍ كان قد إرتكبه موسى (ع) في تلك الواقعة حتى يدعوَ لنفسه بالمغفرة ويكون دعاؤه كاشفاً عن صدور ذلك الذنب منه؟!!

 

على انَّه قد وردت في القرآن آياتٌ عديدة إشتملت على دعاء الأنبياء لأنفسهم بالمغفرة على غير ذنب إرتكبوه، فأيُّ ذنبٍ قد إرتكبه نوحٌ (ع) حين قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾(6) وأيُّ ذنب إرتكبه إبراهيم حين قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾(7) فليس من ذنبٍ قد إرتكبه مثل إبراهيم الخليل شيخ الأنبياء (ع) ورغم ذلك فإنَّه كان يدعو لنفسه بالمغفرة.

 

هذا وقد قام الدليل القطعي على عصمة الأنبياء من الذنوب، فدليلُ عصمتهم مع صدور الإستغفار منهم دليلٌ في حدِّ ذاته على سقوط دعوى الملازمة بين الإستغفار وصدور الذنب، ثم إنَّه إذا كان الأنبياء معصومين وقد ثبت من القرآن انَّ هارون (ع) كان نبيَّاً كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾(8) فحيث انَّ هارون (ع) كان نبيَّاً لذلك فهو معصومٌ عن الذنب، فإستغفار موسى لهارون لايكشف إذن عن إرتكابه ذنباً بعد ثبوت عصمته بمقتضى نبوَّته.

 

ثم إنَّه يكفي لسقوط دعوى الملازمة بين الإستغفار وصدور الذنب عدمُ الدليل على ثبوتها، فليس من آيةٍ ولا نصٍ نبوي ولا إقتضاءٍ عقلي دلَّ على انَّ ثمة ملازمةً بين الدعاء بالمغفرة وبين صدور الذنب من المدعو له.

 

بحث في دواعي الدعاء بالمغفرة (الاستغفار):

1- الاستغفار عن مخالفة الأَولى:

فالدعاء بالمغفرة كما يكون عن الذنب يكون عن مخالفة الأَولى، فإذا صحَّ إحتمال انَّ الخيار الذي إعتمده نبيُّ الله هارون (ع) مع بني إسرائيل في مقام ردعهم عن عبادة العجل لم يكن هو الخيار الأنسب، وكان الأنسب هو المبادرة إلى مصارمتهم والتشدُّد في مقارعتهم، فحيثُ انَّه إختار غير الأنسب لذلك إستغفر له موسى (ع)، فالإستغفار في الفرض المذكور لم يكن عن إرتكاب ذنبٍ وإنَّما كان عن مخالفةٍ لما هو الأنسب والأَولى، فإنَّ مثل هذا الفرض مما يتَّجه ويحسن فيه الإستغفار.

 

2- الاستغفار عن التقصير:

وكذلك يحسن الاستغفار عن التقصير غيرِ البالغ حدَّ الذنب، فالمؤمن ونظراً لمعرفته عظيمَ حقِّ الله تعالى عليه يرى نفسه مقصِّراً في أداء حقِّه جلَّ وعلا لذلك فهو يشعر بالحياءِ والخجل من ربِّه، فرغم النعم الإلهية المتعاظمة التي يرفلُ فيها والتي هي مستوعبةٌ لمطلق وجوده فإنَّه قد يغفل عن ربِّه أو يضعف عن أداء بعض ماندبَ إليه من نوافل، لذلك فهو حين ينتبه من غفلته ينتابه شعورٌ بالتأنيب، وهذا الشعور يتعاظمُ في قلبه كلَّما إزداد إيمانه ويقينُه بربِّه أو كان أكثر إستحضاراً لعظيم آلائه وجزيل نعمه عليه، فمثلُه يشعر بالتأنيب ووخز الضمير حتى لو كان يبذل في عبادة ربِّه قصارى جهده، لذلك فهو يلجأ للإستغفار لأنَّه يجد في الإستغفار راحةً تخفِّفُ عنه غلواءَ الشعور بالتأنيب، فمثلُ هذا الإستغفار لم ينشأ عن ذنبٍ ومخالفةٍ لأمر مولوي، وإنَّما نشأ عن شعوره بأنَّ حقَّ ربٍّه عليه أكثرُ ممَّا يبذلُ له من عبادة وانَّه عاجزٌ عن ردِّ شيئٍ من جزيل إحسانه إليه.

 

ومثلُ هذه الحالة التي يكون عليها المؤمن تجاه ربِّه تحصل كثيراً لذوي الذوق مع مَن بالغ في الإحسان إليهم، فهم يشعرون تجاهه بالإمتنان ويرون أنفسهم عاجزين عن أداءِ حقِّه رغم انَّه لا ينتظر منهم ردَّ الجميل لكنَّهم رغم ذلك يُكثرون من الإعتذار إليه على تقصيرهم أو عجزهم عن مجازاته على إحسانه إليهم، فهم يشكرونه تارةً ويعتذرون إليه تارةً أخرى رغم انَّهم لم يُسيئوا إليه لكنَّ شعورهم بالإمتنان هو مايدفعهم للإعتذار، فالإعتذار والإستغفار عن غير ذنبٍ أمرٌ عرفي يتعاطاه ذوو الذوق الرفيع مع مَن يُحسن إليهم.

 

3- الاستغفار للتقرّب:

وكذلك فإنَّ الإعتذار والإستغفار عن غير ذنبٍ يصدر كثيراً لغرض التلطُّف والتملُّق لذوي المقامات العالية، فلأنَّ المُتملِّق يحرص على انْ يكون محظيَّاً وله درجةُ القُرْبُ من هذا الوجيه أو الأمير لهذا فهو يتوسَّل بالأعتذار ليظهرَ في مظهر الإنكسار والإنقياد لذلك الأمير فيرضى عنه ويُقرِّبه منه، فإعتذار هذا المتملِّق لم يكن لذنبٍ إجترحه في حقِّ أميره وإنَّما كان لغرضِ الحصول على المزيد من الزلفى والحظوةِ عند أميره، فمثلُ هذا الباعث على الإعتذار وإنْ كان مستهجَناً فيما بين الناس ولكنَّه راجحٌ بين العبد وربِّه.

 

النتيجة:

وعليه فتوهُّم انَّ المتفاهم العرفي من طلب المغفرة هو انَّه لا يكون إلا عند الإرتكاب للذنب يدحضه ما هو المشاهد بالوجدان من إعتذار ذوي الذوق لمَن أحسن إليهم رغم عدم إساءتهم إليه، ويدحضه كذلك ما هو المُلاحَظ بالوجدان من كثرة إعتذار المتملِّقين لذوي المقامات، ويتَّفق كذلك كثيراً إعتذار مثل الأب عن خطأ إبنه والرئيس عن خطأ أحد مرؤسيه، ويعتذر شيخُ القبيلة عن ذنبٍ إجترحه أحدُ أفراد قبيلته رغم انَّ كلَّ هؤلاء ليسوا مذنبين، وباعثُهم على الإعتذار هو إنتساب المذنب إليهم وشعورهم انَّ خطأه قد أدخلَ عليهم وهناً لا يجبره إلا إعتذارهم.

 

ما هو منشأ استغفار موسى (ع) لنفسه و أخيه؟

فلعلَّ إستغفار موسى لنفسه ولأخيه هارون كان باعثه شعورهما بالخجل من ربِّهما حيثُ انَّ مَن إنتهك حرمة الربِّ جلَّ وعلا كانوا رعيةً لهما وقد كُلفا بهدايتهم، وهما في ذات الوقت ينحدران من سُلالتهم، فالصلةُ بينهما وبين المذنبين وثيقة، فلعلَّ ذلك هو منشأ إستغفارهما ليُعبِّرا بإستغفراهما عن براءتهما مما إجترحه قومُهما، وليجبرا به شعورهما بالخجل حيث لم يُثمر جهدهما الهدايةَ لعموم بني إسرائيل، فكأنَّهما شعرا بأنَّ الذنب الذي إرتكبه بنو إسرائيل وقع نتيجة إخفاقهما في أداء ما تمَّ تكليفهما به.

 

فإمَّا ان يكون ذلك هو منشأ إستغفارهما أو أنَّ المنشأ هو ما يكون عليه المؤمن من الشعور الدائم بالتقصير في أداء حقِّ ربِّه عليه، فهو يُكثر من الإستغفار لشعوره بأنَّ ما يلزمه فعله تجاه ربِّه أضعاف ما يفعل، فلأنَّه عاجزٌ عن الوفاء بحقِّ ربِّه لذلك فهو يُكفِّر عن عجزه بالإستغفار، وكذلك فإنَّه يُكثر من الإستغفار كما يُكثر من الشكر للتعبير عن الإمتنان والإقرار بسبوغ آلاء ربِّه عليه وانَّه قاصرٌ عن مجازاته على جزيل نعمه، فهو يرى انْ لاشيئ أنسب بالمجازاة لآلاء ربِّه سوى الإعتذار عن العجز على المجازاة.

 

أو يكون المنشأ لإستغفار موسى وهارون (ع) هو الحرص على المزيد من القرب لله جلَّ وعلا، ذلك لإدراكهما انَّ الإستغفار والإقرار بإستحقاق التوبيخ هو من أبرز مظاهر الإنقياد والعبودية لله جلَّ وعلا.

 

فلعلَّ أحد هذه المناشئ هو ما بعث موسى وهارون على الإستغفار أو انَّ الباعث على الإستغفار هو هذه المناشئ مجتمعة.

 

ما لكم كيف تحكمون؟!

وممَّا ذكرناه يتَّضح انَّ الإستغفار لا يكشف بالضرورة عن صدور الذنب من المُستغفِر، فكثيراً ما ينشأ الإستغفار عن بواعثَ ليس منها صدور الذنب من المستغفِر أو المستغفَر له، وحينئذٍ كيف يسوغ لمنصفٍ الجزم بأنَّ إستغفار موسى لأخيه هارون لم يكن إلا عن ذنبٍ إرتكبه؟! والأغرب من ذلك هو الإدِّعاء بأنَّ ذلك الذنب هو العبادة للعجل، إذ انَّ إستفادة هذه الدعوى من مجرَّد الإستغفار أشبهُ شيئٍ بالإستدلال على هزيمة الجند عند حدود البلد بنعيب الغراب في المدينة!!.

 

منشأ غضب موسى (ع) على أخيه:

وأما لماذا غضب موسى (ع) من أخيه هارون (ع) فالواضح من الآية التي سبقت آية الإستغفار انَّ ذلك لم ينشأ عن دعوى مشاركة هارون لبني إسرائيل في عبادة العجل، وذلك لما بيَّناه من انَّ الآية أفادت أنَّهم إستضعفوه واستضغروه وهمَّوا بقتله، وقد وصفهم هارون في الآية بالأعداء وبالظالمين، وكلُّ ذلك يكشف كشفاً قطعياً انَّه مانعهم وعارضهم لا انَّه -كما زعم المُرجِفون- شاركهم أو حتى مالئهم.

 

وعليه فمنشأُ غضب موسى من هارون يتعيَّن في غير دعوى المشاركة أو حتى الممالئة والمداراة، فكلُ ذلك لم يكن قد وقع من نبيِّ الله هارون (ع)، نعم من المحتمل انْ يكون منشأ غضب موسى هو عدم إرتضائه لموقف هارون الذي وإنْ كان صارماً ولكنَّه لم يكن شديد الصرامة حيثُ انَّه إكتفى بنصحهم ووعظهم وتحذيرهم من مغبَّةِ ما يفعلون ثم عقد العزم على عدم مقارعتهم ريثما يعود موسى (ع) من ميقات ربِّه، فلعلَّ إحرازه انَّ هارون لم يُبالغ في الشدَّة معهم هو ما أغضبه من أخيه هارون(ع).

 

وثمة احتمالٌ آخر لمنشأ الغضب الذي إنتاب موسى من أخيه، وهو انَّه تصوَّر أنَّ هارون إكتفى بنصحهم في أول الأمر ثم تركهم وشأنهم منتظراً رجوع أخيه موسى، فذلك التصوُّر هو ما أغضبه من أخيه ثم حينما تبيَّن له موقف هارون مما أحدثه بنو إسرائيل وانَّه بذل كلَّ جهدٍ كان بوسعه بذله في سبيل ردعهم عن غيِّهم، وانَّهم لم يستجيبوا له بل إستضعفوه وكادوا يقتلونه، فحين تبيَّن لموسى (ع) ما كان قد فعله هارون إستجود موقفه فعبَّر عن إرتضائه لموقفه بإشراكه في الدعاء لنفسه وله بالمغفرة والرحمة.

 

وهذ الإحتمال هو الراجح إنْ لم يكن هو المتعيَّن بقرينة انَّ موسى لم يقل لأخيه بعد أنْ بيَّن له ماكان قد فعل، لم يقل له كان عليك أنْ تكون أشدَّ صرامةً معهم بل عقَّب على كلام أخيه بأنْ تصدَّى للدعاء لنفسه وله بالمغفرة والرحمة، وذلك ما يُعبِّر عن انَّ سكون غضبه إنَّما نشأ عن تبيُّنه لموقفه وإرتضائه به.

 

والذي يُؤيد انَّ موقف هارون (ع) كان مرضيَّاً انَّ القرآن قد إمتدح موقفه وأورده في سياق انَّه كان تمام الحجَّة على بني إسرائل، قال تعالى في سورة طه: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾(9).

 

فموقف هارون لم يكن خلاف الأَنسب والأَولى بل إنَّ ما فعله كان هو ما ينبغي فعله دون سواه، غايته انَّ موسى (ع) لم يكن على علمٍ بذلك نظراً لغيبته، فقد تصوَّر انَّ هارون لم يبالغ في نصحهم كما هو المنتظر منه وكما هي وصية موسى له قبل خروجه إلى الميقات، ولذلك ورد في سورة طه انَّ موسى فور رجوعه من غيبته: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا / أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾(10) فهو قد تصوَّر انَّ هارون قد توانى في إرشادهم فلم يستفرغ وسعه كما أوصاه في الحيلولة دون وقوعهم في هذه الشبهة المضلَّة إلا انَّه حين تبيَّن له ما كان قد فعله في سبيل ردِّهم عن غيِّهم سكن غضبه، وعبَّر عن إرتضائه لموقف أخيه بالدعاء لنفسه وله بالمغفرة والرحمة.

 

المحور الثاني: الكلام في دعوى السماح:

وأما دعوى ظهور الآية الثانية والتسعين من سورة طه في انَّ هارون (ع) قد سمح لبني إسرائيل في عبادة العجل فالآية المشار إليها هي قوله تعالى على لسان موسى: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا / أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.

 

من أين جاءت دعوى السماح؟

1- هل في كلام هارون (ع) إذنٌ مباشر أو غير مباشر؟!

وجواب هذه الدعوى انَّ السماح المذكور في الشبهة إما انْ يكون بمعنى الإذن صريحاً لهم بعبادة العجل أو يكون بمعنى الإيحاء لهم بالإذن وعدم الممانعة وانَّ عبادتهم للعجل مما لا ضير فيه ولا غضاضة، فهو وإنْ لم يكن قد أذن لهم باللفظ لكنَّه فعل ما يُعبِّر بنظر العرف عن الإذن.

 

وكلا المعنيين تدحضه الآية التي وردت في سياق الآية المذكورة، ولا يفصلها عنها سوى آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فكان جوابهم: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾(11) فالآية صريحةٌ في انَّ هارون لم يأذن لهم في عبادة العجل ولا أوحى إليهم بما يكشف بنظر العرف عن الإذن وعدم الممانعه من قِبَله لعبادتهم للعجل بل تصدَّى لوعظهم وذكَّرهم انَّ ربَّهم الرحمن دون سواه، وحذَّرهم من الإفتتان عن دين الله تعالى، وأكَّد لهم انَّ العبادة للعجل إفتتانٌ وإنصرافٌ عن التوحيد والعبادة للرحمن كما هو مفاد: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ثم أخذ يحضُّهم على إتباعه فيما حذَّرهم منه وعلى طاعته فيما يأمر به من عبادة الرحمن وحده.

 

2- حتى بني اسرائيل لم يفهموا منه السماح!

هذا وقد فهم بنو إسرائيل مراده وانَّ موقفه الرفض لما يصنعون إلا انَّهم لم يعبئوا بوعظه وتمنَّعوا من قبول نُصحه، وأجابوا عن تحذيره جواب المكابِر المتمادي في غيِّه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.

 

فمن أين إذن جاءت الدعوى بالإذن لهم او الإيحاء بالإذن في عبادة العجل؟! أليس ذلك من الظلم البيِّن؟ فالآيةُ التي إشتملت على خطاب موسى لهارون واقعةٌ في سياق هذه الآية التي هي صريحة في تصدِّي هارون لممانعة بني إسرائيل من عبادة العجل، وجوابُهم صريحٌ في فهمهم لموقفه وصريحٌ في رفضهم لقبوله والإذعان إليه.

 

3- وهل في كلام موسى (ع) ما يدلُّ على السماح؟!

وأما خطاب موسى (ع) لأخيه هارون بعد رجوعه من ميقات ربِّه فليس له ظهورٌ بل ولا إشعارٌ في انَّ هارون قد أذن لبني إسرائيل أو انَّه أوحى لهم بالإذن في عبادة العجل فقوله: ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا / أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ظاهرٌ جداً في أنَّ موسى (ع) لم يكن يعلم بما فعله هارون في غيبته، فهو حين رجع فوجد بني إسرائيل قد ضلوا وعبدوا العجل تصوَّر انَّ هارون لم يتصد لهدايتهم بالمقدار الكافي فلم يبذل قصارى جهده في هذا الشأن على أمل انْ يرجع موسى فيُصلحهم، هذا التصوُّر الذي وقع في خلَد موسى هو ما بعثه على الغضب من هارون ودفعه إلى توبيخه بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فمفاد إستنكاره -كما هو ظاهر جداً من الآية- هو انَّه لماذا لم تتصدَّ لهدايتهم حين وجدتهم ضلَّوا ألم أُوصك حين خروجي بملاحظة أحولهم وإصلاح ما يطرأ من فسادٍ فيهم والمحاذرة من وقوعهم في ضلالة، فلماذا لم تتبعني أفعصيت أمري؟ هذا هو مفاد خطاب موسى الإستنكاري لهارون، فهو لم يتَّهمه بالإذن لهم في عبادة العجل لا صريحاً ولا إيحاءً، فليس في خطابه ما يُعبِّر عن إتهامه له بذلك بل وليس فيه ما يُشعر بخطور هذه التهمة في ذهن موسى (ع).

 

فغاية ما وقع في ذهن موسى (ع) انَّ هارون (ع) قصَّر في النهوض بمسئوليته التي أُنيطت به، وهي بذل أقصى الجهد في هداية بني إسرائيل، فهو قد تصوَّر انَّ هارون لم يستفرغ وسعه في هدايتهم وردعهم عما أحدثوه من عبادة العجل، وذلك التصوُّر هو ما بعثه على الغضب من هارون وإلا فهو على يقينٍ بأنَّ هارون لم يأذن لهم صريحاً ولا إيحاءً كما يدل على ذلك قوله في خطابه لهارون: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا / أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فهو قد أسند الضلال لبني إسرائيل ولم يُشرك أخاه معهم في النعت بالضلال، فلو كان موسى (ع) يتَّهم أخاه بالإذن لهم تصريحاً أو إيحاءً لكان هارون بنظره ضالاً مثلهم؛ إذ انَّ الإذن بعبادة غير الله تعالى هو من أعظم الضلال بل هو من مثل هارون يكون في أسفل درجات الضلال، فلو كان هارون قد أذن لهم ولو بالإيحاء في عبادة العجل لكان أشدَّ ضلالاً منهم أو لا أقل يكون أشدَّ ضلالاً من عامَّتهم اللذين لا يعلمون ما يعلم ولا يكون لضلالهم أثرٌ على غيرهم، فإتَّهامه بالإذن يُساوق إتَّهامه بتضليلهم أو تضليل السوقة منهم وهم الأكثر.

 

فلو كان موسى (ع) يتَّهم أخاه بالإذن في عبادة العجل ولو بالإيحاء لما خاطبه بقوله: ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا / أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فهو قد صرف الوصف بالضلال عن أخيه هارون وأسنده لبني إسرائيل وخاطبه بصفته المؤهَّل والموكَّل بالهدايه، وذلك مايكشف بمستوى القطع عن انَّه لم يتَّهمه بالإذن وإلا كان بنظره ضالاً مثلهم بل كان أولى بوصف الضلال منهم.

 

فحيث انَّ موسى لم يكن متَّهماً لأخيه بالإذن كما اتَّضح فالمتعيَّن من مفاد خطابه ان توبيخه لأخيه كان قد نشأ عن تصوره بأنَّ هارون لم يكن قد نهض بمسئوليته على أكمل وجه، وهذا التصوُّر غير الواقعي نشأ عن غيبته وعدم علمه بموقف هارون، وأما مبادرته إلى توبيخه قبل التثبُّت فنشأ عن انَّ الغضب الذي إنتاب موسى (ع) كان قد أخذ منه مأخذاً عظيماً لهول ما آل إليه أمرُ بني إسرائيل بعد طول عناءٍ ومكابدة، فلم يكن ينتظرُ منهم هذا الإنحراف الخطير، وكان في ذات الوقت يتوقَّع انَّ لهارون القدرة على انْ يعصمهم عن هذا المستوى من الإنحراف، فهو قد خلَّفه في قومه واثقاً بأنَّ وجوده بينهم سيحول دون وقوعهم في ضلال، فإذا بقومه قد بلغ بهم الضلال مداه، فقد عبدوا عجلاً له خُوار، فكان وقْعُ ذلك على قلبه شديداً، فبمقتضى طبع كلِّ زعيم إذا وجد إخفاقاً أو خطأً فظيعاً ممَّن يترأسهم فإنَّه يتَّجه باللوم أولاً إلى مَن أوكل إليه مسئولية النظر في شئونهم، فغضبةُ موسى من أخيه كانت إنسياقاً مع مقتضى الطبع الإنساني، وذلك لا ينافي العصمة -التي لا ريب في انَّ موسى واجدٌ لها -إذانَّ ما صدر من نبيِّ الله موسى(ع) كان خلاف الأولى، ومخالفةُ الأَولى قد يتَّفق صدوره من المعصوم.

 

الخلاصة:

والمتحصَّل مما ذكرناه ان توبيخ موسى لأخيه هارون فور عودته من الميقات كان قد نشأ عن تصوره بأن هارون لم يبذل أقصى الجهد في سبيل هداية بني إسرائيل، وفي ذلك مخالفة لما هو منتظر منه ومخالفة لمقتضى وصييته له حين خلفه في قومه، فهذا التصور الذي وقع في خلد موسى هو ما بعثه على الغضب وكانت نتيجته المخاطبة لهارون بلسان التوبيخ والإستنكار.

 

ولولم يقبل ان منشأ الغضب هو عدم العلم بحقيقة موقف هارون فإن المتعين عندئذ هو البناء على ان موسى قد غضب من أخيه رغم علمه بأنه قد جدَّ في هدايتهم، وعليه فمنشأ غضبه هو عدم إرتضائه بطبيعة موقف هارون، لأنه كان يرى لزوم المقارعة أو المباينة لهم، وحيث ان هارون لم يفعل ذلك في غيبته لذلك غضب منه حين رجوعه.

 

وأما إحتمال ان منشأ غضبه هو ان هارون أذن لبني إسرائيل بعبادة العجل تصريحا أو إيحاء فذلك مالا يمكن إستظهاره من الآية المباركة وإلا كان مقتضاه ان موسى يعتبر أخاه من الضالين، إذ ان الإذن في عبادة غير الله تعالى هو من أعظم الضلال، والآية التي إشتملت على خطاب موسى لهارون صريحة في انه لم يكن يرى أخاه ضالا، نعم هو يراه بحسب مدلول الآية غير متبع لوصيته لا انه يراه ضالا مثلهم: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا / أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فاللذين أسند إليهم الضلال هم بنو إسرائيل، وأما هارون فخاطبه بما يكشف عن انَّه يراه محلَّاً للتصدي للهداية، فهو يستنكر عليه لماذا لم يهدهم، ولا يُخاطب أحدٌ أحداً بذلك إلا إذا كان يراه جديراً بهذا المقام.

 

على انَّ الآية المشتملة على خطاب موسى لهارون (عليهما السلام) كانت بصدد الحكاية لما خاطب به موسى أخاه هارون، فهي تحكي عتاباً من غائبٍ غاضب قابله هارونُ بجواب، فهي لم تكن بصدد البيان لما فعله هارون واقعاً، وإنَّ الآية التي تصدَّت لبيان ما فعله هارون واقعاً في غيبة موسى (ع) هي الآية التي سبقت هذه الآيةَ بآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.

 

فهذه الآية هي التي تصدَّت للإخبار عمَّا صدر عن هارون واقعاً في غيبة موسى (ع) وقد أفادت صريحاً انَّ هارون قد أعذر في النُصح لبني إسرائيل وألزمهم الحجة، فلا عذر لهم بعد قوله(ع).

 

والحمدلله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

من كتاب شبهات مسيحيَّة 


1- سورة الاعراف / 151.

2- سورة الاعراف / 150.

3- سورة طه / 94.

4- سورة طه / 90.

5- سورة الاعراف / 151.

6- سورة نوح / 28.

7- سورة إبراهيم / 41.

8- سورة مريم / 53.

9- سورة طه / 90.

10- سورة طه / 92-93.

11- سورة طه / 90.