عرضُ الأعمالِ على النبيِّ (ص) والأئمة (ﻉ)

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما تفسيرُ قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(1)؟

الجواب:

الظاهر هو أنَّ الآية الشريفة بصدد إفادة أنَّ أعمالَ الناس من المسلمين والكافرين والمنافقين مرصودةٌ معلومةٌ على حقائقها لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، فهي تستهدفُ الحثَّ على مراقبة الإنسان لعملِه، فلا يفعلُ ما يضرُّ بمستقبلِه يوم القيامة.

تقريب الاستظهار:

ثم إنَّ المراد من المؤمنين في الآية الشريفة هم جماعةٌ خاصَّة من المؤمنين اختارهم اللهُ تعالى ليكونوا شهداءَ على أعمال الناس.

وذلك لانَّه لو كان المرادُ من المؤمنين هو عموم المؤمنين لكان ذلك منافياً للواقع لانَّه لا يتفق لعموم المؤمنين الإطلاع على أعمال كلِّ الناس، فالناسُ يعملون في السرِّ ويعملون في العلانيَّة وما يتمُّ عملُه في العلانيَّة لا يتَّفقُ لجميع المؤمنين الإطلاع عليه، فالناسُ موزَّعون على بقاع الأرض وكذلك المؤمنون، فقد لا يتَّفق وجودُ مؤمنٍ في كلِّ موضعٍ وقع فيه عملٌ لأحد ولو اتَّفق وجودُ مؤمنين في موقع العمل فلن يكونوا جميعاً قطعاً وحينئذٍ كيف تكونُ أعمالُ الناس مشهودةً لعموم المؤمنين؟!

ثم أنَّ الظاهر من الآية انَّ المراد من رؤية الأعمال هو مشاهدتُها على حقائقها، فقد يكون ظاهرُ العمل حسناً ولكنَّه نشأ عن مقاصدَ سيئة كما هو شأنُ المنافقين، وقد يكون ظاهرُه مباحاً ولكنَّه محرَّم واقعاً، فلو كان المرادُ من الرؤية هي الرؤية الظاهريَّة لما كان ذلك مختصاً بالمؤمنين، فكلُّ من له نظر واطَّلع على العمل فقد رآه، فلماذا خُصَّت الرؤية في الآية الشريفة بالمؤمنين؟

وهكذا الحال بالنسبة للرسول الكريم (ص) فإنَّه لو كان المراد من الرؤية هي الرؤية الظاهريَّة لما كان ذلك مختصَّاً به دون سائر الناس كما انَّه لا يسعُ النبيّ (ص) لو كان المراد من الرؤية هي الرؤية المباشرة الاطلاع على أعمال الناس جميعاً.

فالمتعيَّن من مفاد الآية المباركة هو ما ورد في الروايات الشريفة من أنَّ الله تعالى يعرضُ أعمال الخلق على الرسول الكريم (ص) وأئمة أهل البيت (ﻉ) فهم إذن المعنيُّون من قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إذ انَّ ذلك هو المناسب لمفاد الآية من انَّ جميع الأعمال خطيرِها وحقيرِها وخيرِها وشرِّها مشهودةٌ للرسول (ص) والمؤمنين، وهو المناسب لما ذكرناه من امتناع إطِّلاع عموم المؤمنين على عموم أعمال الناس كما انَّه هو المناسب لتخصيص الرؤية بالمؤمنين، وكذلك فإنَّ هذه الروايات مناسبةٌ للغرض من الآية الشريفة وهو إفادة انَّ أعمال الناس مرصودةٌ، فعلى الإنسان مراقبةُ أعماله، فلو كان المرادُ من الرؤية هي الرؤية الظاهريَّة لأمكن إخفاءُ الكثير من واقع الأعمال وحقيقتِها، وهذا ما ينافي الغرض ممَّا أرادت الآيةُ إفادتَه وبيانَه.

الروايات الواردة في معنى الآية المباركة:

والمتحصَّل انَّ معنى الآية المباركة هو ما أفادته الرواياتُ الشريفة وهي رواياتٌ كثيرة وردت من طرقِنا:

منها: ما رواه زرارة عن بريد العجلي قال: قلتُ لأبي جعفر (ع) في قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال (ع): "ما مِن مؤمنٍ يموتُ ولا كافرٍ يُوضع في قبرِه حتى يُعرض عملُه على رسولِ الله (ص) وعليٍّ (ع) فهلمَّ إلى آخر مَن فرضَ اللهُ طاعتَه على العباد"(2).

ومنها: ما ورد عن عبد الله بن أبان الزيَّات وكان مكيناً عند الرضا (ع) قال: قلتُ للرضا (ع): ادعُ الله لي ولأهلِ بيتي، فقال (ع): "أولستُ أفعل؟ واللهِ إنَّ أعمالكم لتُعرَضُ عليَّ في كلِّ يومٍ وليلة"، قال: فاستعظمتُ ذلك، فقال (ع): "أمَا تقرأُ كتابَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾"(3).

ومنها: ما ورد عن عمر بن أُذينة قال: كنتُ عند أبي عبد الله (ع) فقلتُ له: جعلتُ فداك قوله عز وجل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، قال (ع): "إيَّانا عنى"(4).

وفي روايةٍ عن يعقوب بن شعيب قال: قال أبو عبد الله (ع) في تفسير معنى ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: "هم الأئمة (ﻉ)"(5).

هذه عدَّة من الروايات وثمة أُخرى أعرضنا عن ذكرها خشيَّة الاطالة، ومفادُ مجموعها انَّ لأهل البيت (ﻉ) مقامَ الشهادة على العباد وانَّ أعمال العباد تُعرضُ عليهم إلا انَّ طبيعة العرض وحقيقتَه مجهولةٌ عندنا.

والحمد لله رب العالمين

 

من كتاب: شؤون قرآنية

الشيخ محمد صنقور


1- سورة التوبة / 105.

2- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج2 / ص109، تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج1 / ص304، بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار- ص448، وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج16 / ص114 / باب101 من أبواب جهاد النفس / ح22.

3- الكافي -الشيخ الكليني- ج1 / ص219، بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار- ص449، وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج16 / ص108.

4- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج16 / ص111 / باب 101 من أبواب جهاد النفس / ح14، بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار- ص447، دعائم الإسلام -القاضي النعمان المغربي- ج1 / ص21.

5- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج16 / ص107 / باب 101 من أبواب جهاد النفس / ح3، بصائر الدرجات -محمد بن الحسن الصفار- ص448.