العلَّة من الجمع بين الضُحى والانشراح في القراءة

المسألة:

ما هي العلَّةُ التي جَعلتْ سورتي الفيل وقريش بحكم السورة الواحدة؟ وسورتي الضحى والانشراح بحكم السورة الواحدة؟

 

الجواب:

سورة واحدة أم بحكم السورة الواحدة؟

لم يختلف فقهاء الاماميَّة رضوان الله تعالى عليهم في عدم صحَّة الاكتفاء بقراءة الضحى دون الانشراح في ركعةٍ واحدة من الفريضة، وكذلك الاكتفاء بقراءة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ دون (الايلاف) وأما منشأ ذلك فهو إمَّا لأنَّ الضحى والانشراح سورةٌ واحدة حقيقة وكذلك الفيل والايلاف (قريش) أو لأنَّ الضحى والانشراح بحكم السورة الواحدة تعبُّداً وانْ كانتا سورتين واقعاً، وكذلك الفيل وقريش فإنَّهما سورتان واقعاً ولكنَّهما بحكم السورةِ الواحدة تعبُّداً.

 

والمراد من أنَّهما بحكم السورة الواحدة تعبُّداً هو انَّ المشرِّع اعتبر الجمع بين السورتين واجباً في الفريضة لملاكٍ عنده إلا انَّه غير مُدرَك عندنا، وإنْ كان من المحتمل انَّ المنشأ هو اتِّحاد موضوع سورتي الضحى والانشراح وسورتي الفيل وقريش.

 

أما المبنى الأول: أنَّهما سورةٌ واحدة واقعاً

وهذا المبنى قد ذهب إليه مشهورُ المتقدِّمين من فقهاء الاماميَّة، فقد ذهب للقول بكون الضحى والانشراح سورةً واحدة واقعاً وكذلك الفيل وقريش كلٌ من الشيخِ الصدوق والشيخِ المفيد والسيِّدِ المرتضى والشيخِ الطوسي وابنِ ادريس الحلِّي وغيرِهم وادَّعى بعضُهم الاجماع على ذلك(1).

 

ولعلَّ منشأ ذلك هو ما ورد عن أهل البيت (ﻉ) في عدةٍ من الروايات:

منها: ما رواه الصدوقُ في كتاب الهداية مرسلاً عن الصادق (ع) في حديثٍ قال فيه: "وموسَّع عليك أيَّ سورة قرأت في فرائضك إلا أربع وهي الضحى وألم نشرح في ركعةٍ لأنَّهما جميعاً سورةٌ واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف في ركعةٍ لأنَّهما سورةٌ واحدة.."(2).

 

ومنها: ما رواه الطبرسي في مجمع البيان قال: "روى أصحابنا انَّ الضحى وألم نشرح سورةٌ واحدة وكذا سورة ألم تر كيف ولإيلاف قريش"(3).

 

ومنها: ما رواه العياشي عن أبي العباس عن أحدِهما (ع) قال: ألم تر كيف فعل ربُّك ولإيلاف قريش سورةٌ واحدة(4).

 

وأمَّا المبنى الثاني: انَّهما سورتان

والذي ذهب إليه مشهور المتأخرين(5) ولعلَّ أولَهم كان المحقِّق الحلِّي في المعتبر كما أفاد ذلك صاحبُ الحدائق(6) فمستندُهم فيما ذهبوا إليه هو انَّ ما يُمكن أن يكون مُستنداً للاتِّحاد لا يصحُّ التعويل عليه، ذلك لأنَّ الظاهر هو انَّ مستندَهم هو الروايات المذكورة وهي ضعيفةُ السند.

 

وكذلك دعوى الإجماع فانَّها غيرُّ مقبولة نظراً لإحراز مدركيَّتِه ولا أقل من احتمال المدركيَّة، أي إنَّ الإجماع عندما يكون مَدركه ومُستندُه محرزاً أو محتملاً فإنَّه لا يكون تعبُّديَّاً، فلا يكون حجَّةً حتى بناءً على القول بحجيَّة الإجماع، ولأنَّ من المُحرَز أو المُحتمل هو انَّ مدرَك الإجماع المدَّعى عند المتقدِّمين هو الروايات فلا يكون لهذا الإجماع حجيَّة بل يلزم الرجوع لنفس المدرَك وهي الروايات، وباعتبار ضعفِها تكون فاقدةً للحجيَّة، وبذلك يسقط الدليلُ الذي استند اليه مشهورُ المتقدِّمين على الاتِّحاد وذلك وحدَه كافٍ لإثبات التعدُّد.

 

ويمكن انْ يُستدلَّ لمشهور المتأخِّرين مضافاً إلى دعوى عدم الدليل على الاتِّحاد بروايتين:

الأولى: رواية زيد الشحام قال: "صلَّى بنا أبو عبد الله (ع) فقرأَ في الأُولى ﴿وَالضُّحَى﴾ وفي الثانية ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾"(7).

 

الثانية: رواية مفضَّل بن صالح عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعتُه يقول: "لا تجمع بين سورتين في ركعةٍ واحدة إلا الضحى وألم نشرح، وألم تر كيف ولإيلاف قريش"(8).

 

أمَّا تقريب الاستدلال بالرواية الأولى فهو انَّه لو كانت الضُحى والإنشراح سورةً واحدة لقرأهما الإمامُ(ع) في ركعةٍ واحدة، وذلك لوجوب قراءة سورةٍ كاملةٍ في كلِّ ركعة، فقراءةُ الإمام (ع) والضُحى في الركعة الأُولى والإنشراح في الركعة الثانية دليلٌ على انَّ الضحى سورةٌ مستقلَّة وكذلك الإنشراح.

 

وأمَّا تقريبُ الاستدلال بالرواية الثانية فهو انَّ الاستثناء ظاهرٌ في الاتِّصال، فقولُه لا تجمع بين سورتين إلا الضُحى وألم نشرح ظاهرٌ في انَّ الضحى وألم نشرح سورتان، غايتُه انَّه يجب الجمع بينهما في سورةٍ واحدة على سبيل الاستثناء من حكم القراءة لبقيَّة السُور.

 

وبتعبير آخر: لو كانت الضحى والإنشراح سورةً واحدة لكان الاستثناء منقطعاً وهو خلاف الظاهر.

 

مناقشة المبنى الثاني:

إلا انَّ شيئاً ممَّا أفادَه مشهورُ المتأخِّرين انتصاراً لدعوى التعدُّد وعدم الاتِّحاد لا يصلحُ لاثبات التعدُّد وعدم الاتِّحاد، وذلك لأنَّه لو سلَّمنا انَّ الروايات المقتضية للاتِّحاد ساقطةٌ عن الحجيَّة، وإنَّ الاجماع ساقطٌ أيضاً عن الحجيَّة فإنَّ ذلك وحده لا يُنتج التعدُّد، فليس ثمة من أصلٍ أو قاعدة تقتضي التعدُّد لمجرَّد تصدير الآيات بالبسملة.

 

وأما الروايتان، فالأُولى لا تعدو كونها فعلاً للمعصوم (ع) وهو لا يقتضي أكثر من الدِّلالة على صحَّة القراءة للضحى وحدها في ركعةٍ والإنشراح وحدها في ركعة، أمَّا انَّهما سورتان فذلك ما لا يقتضيه فعلُ المعصوم (ع) ودعوى انَّه لا يصحُّ التبعيض للسورة في قراءة الفريضة لا يقتضي إثبات انَّ الضحى سورةٌ مستقلَّة، وذلك لإمكانية دعوى انَّ هذه الرواية من أدلَّة جواز التبعيض للسورة في قراءة الفريضة، فكما يُمكن أن تكون قراءةُ الإمام للضحى في ركعة ناشئاً عن كونها سورةً مستقلَّة يمكن أن يكون ذلك ناشئاً عن جواز التبعيض للسورة في قراءة الفريضة.

 

على انَّ زيد الشحام قد رُويت عنه روايةٌ معتبرة سندا ًقال: "صلَّى بنا أبو عبد الله (ع) الفجر، فقرأ الضحى وألم نشرح في ركعة"(9).

 

فهذه الرواية مختلفة عن روايته التي استند إليها المشهور، ولا يبعد أنَّهما روايةٌ واحدة لاستبعاد انَّه يحكي عن واقعتين دون ان يُشير في إحداهما لذلك، وحينئذٍ تسقط كلا الروايتين عن الحجيَّة من جهة إثبات التعدُّد لاحتمال انَّ ما رواه واقعاً هي الرواية المختلفة عن التي استند اليها المشهور والتي أفادت انَّ الإمام (ع) قرأ كلاً من الضحى والانشراح في ركعة واحدة.

 

وأمَّا روايةُ المفضَّل فمضافاً إلى ضعفِها سنداً فإنَّها غيرُ ظاهرة في التعدُّد، وذلك لانَّ الاستثناء وانْ كان ظاهراً في الاتصال إلا انَّه يكفي لتصحيح الاستثناء انَّهما سورتان في المرتكز العرفي أو قل لأنهما في صورة السورتين لأنَّهما مصدَّرتان بالبسملة في المصحف الشريف.

 

فالإمام كان بصدد بيان حكم القراءة لهما في الفرائض، فهي لا تدلُّ على التعدُّد ولا على الاتِّحاد.

 

وأقصى ما تدلُّ عليه هو لزوم الجمع بين الضحى والإنشراح في ركعة واحدة.

 

وأما إطلاق عنوان السورتين على الضحى والانشراح بقرينة ظهور الاستثناء في الاتصال فهو لا يُعبِّر عن كونهما سورتين مستقلَّتين لأنَّ المصحِّح لإطلاق عنوان السورتين عليهما هو أحد أمرين، الأول انَّهما سورتان مستقلَّتان واقعاً، والثاني انَّهما سورتان صورةً وبحسب المرتكز العرفي، ولمَّا كان كلا الأمرين مصحِّحاً لإطلاق عنوان السورتين عليهما فحينئذٍ لا يصحُّ استظهار أحدهما، فهي إذن مجملة من هذه الجهة ولا دلالة لها على التعدُّد ولا على الاتِّحاد، نعم هي لا تخلو من إشعار بالاتِّحاد نظراً لاستبعاد أن يكون للحكم بلزوم الجمع منشأٌ آخر غير كونهما سورة واحدة، ويتقوَّى هذا الإشعار بالروايات المتعدِّدة التي أفادت انهما سورة واحدة.

 

بل يمكن ان ندَّعي انَّ مجموع الروايات والتي هي ليست قليلة والصريحة في الاتِّحاد يُورث الاطمئنان بصحَّة ما ذهب اليه مشهور المتقدِّمين إذا ضممنا إلى هذه الروايات دعاوى الإجماع الكثيرة والصادرة من أعلام المتقدِّمين خصوصاً وانَّ لغة دعوى الإجماع تُعبِّر عن حالةٍ من التسالم حيث أفاد الشيخ الطوسي مثلاً انَّ هاتين السورتين -الضحى والانشراح- سورة واحدة عند آل محمد (ص)(10)، وأفاد الشيخُ الصدوق في الأمالي "انَّ من دين الاماميَّة الإقرار بذلك"(11).

 

وأما انَّ هذا الإجماع مدركيٌّ أو محتمِلٌ للمدركية فهو صحيح إلا انَّه يُقال: إنَّ هذا الإجماع إنْ كان مدركه هذه الروايات التي نقلنا بعضها فهو جابر لضعفها السندي فتكون هي المعوَّلُ عليه لاثبات الاتِّحاد، لانَّ هذا الإجماع على أقل تقدير يكشفُ بناءً على هذا الفرض عن اشتهار العمل بهذه الروايات بين المتقدِّمين واشتهار العمل بروايةٍ بين المتقدِّمين موجبٌ لحجيَّتها وجابرٌ لضعفِها السندي.

 

وإنْ لم تكن هي المَدرَك فلا يخلو إمَّا أن يكون المدرَك روايةً معتبرة أو روايةً ضعيفة أو إجماعاً تلقَّوه من أصحاب المعصومين (ﻉ) ولا يمكن أن يكون إجماعهم نشأ عن غير ذلك، فالعقلُ أو الاعتبارات الظنيَّة لا تحور في مثل هذه المسألة.

 

فلو كان المنشأ هو رواية معتبرة سنداً فإنَّ ذلك كافٍ لإثبات الاتِّحاد، ولو كان المنشأ للإجماع هو رواية ضعيفةَ السند فلا يضرُّ ضعفه لانجباره بعملهم، ولو كان المنشأ هو التلقِّي عن إجماع أصحاب الأئمة (ﻉ) فهو حجَّةٌ أيضاً لأنَّ من المقطوع به انَّ مأخَذَ إجماعِهم هو المعصومون (ع).

 

وأمَّا احتمال أنَّ مدرَك إجماعِهم هو روايةٌ ظاهرةٌ بنظرهم في الاتِّحاد إلا انَّها قد لا تكون ظاهرةً في ذلك لو اطلَّعنا عليها فهذا الاحتمال بعيدٌ غايته، إذ انَّ توافقهم على هذا الاستظهار يُعبِّر عن الظهور الواقعي في الاتِّحاد فمن البعيد أنْ يتمَّ التوافق وبهذا المستوى من الاطمئنان ويكون منشأه رواية لا ظهور لها واقعاً في الاتحاد.

 

خصوصاً وان المسألة ليست من المسائل التي تحتاج إلى المزيد من التحليل والتنظير.

 

فالمتحصَّل مما ذكرناه انَّ الصحيح هو ما ذهب إليه المتقدِّمون من أعلام الطائفة رضوان الله عليهم وانَّ الضحى والإنشراح سورةٌ واحدة، وإنَّ ألم تر كيف ولإيلاف قريش سورةٌ واحدة.

 

وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ النتيجة العمليَّة واحدة من جهة لزوم قراء الضحى والإنشراح معاً في ركعةٍ واحدة، وكذلك ألم تر كيف ولإيلاف قريش.

 

والحمد لله رب العالمين

 

من كتاب: شؤون قرآنية

الشيخ محمد صنقور


1- الحدائق الناضرة -المحقق البحراني- ج8 / ص202، جواهر الكلام -الشيخ الجواهري- ج10 / ص20.

2- الهداية -الشيخ الصدوق- ص135.

3- تفسير مجمع البيان -الشيخ الطبرسي- ج10 / ص387.

4- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج6 / ص55 / باب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / ح6.

5- مفتاح الكرامة -السيد محمد جواد العاملي- ج7 / ص189، الحدائق الناضرة -المحقق البحراني- ج8 / ص202.

6- الحدائق الناضرة -المحقق البحراني- ج8 / ص202.

7- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج6 / ص54 / باب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / ح3.

8- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج6 / ص55 باب / 10 من أبواب القراءة في الصلاة / ح5.

9- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج6 / ص54 / باب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / ح1.

10- الاستبصار -الشيخ الطوسي- ج1 / ص317.

11- كما أفاد صاحب الجواهر ج10 / ص20.