تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ أليست حشوًا؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمَّد

 

الشبهة:

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾(1) الواضح أنَّ الثلاثة والسبعة يساوي عشرة فما هو اللازم من النصِّ على أنَّها عشرة أليس ذلك من الحشو والتوضيح للواضح، ولو تجاوزنا ذلك فإنَّه لا موجب لوصف العشرة بالكاملة لوضوح أنَّ العشرة ليست تسعة مثلًا.

والإشكال ذاته يرد على ما جاء في الآية من سورة الأنعاموهي قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾(2) فإنَّ قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من الحشو في الكلام، إذ ما مِن طائرٍ إلا وهو يطيرُ بجناحيه.

الجواب:

يصحُّ وصف الكلام بالاشتمال على الحشو حينما لا يكون لذكر الموصوف بالحشو فائدة يتعلَّق بها غرضُ المتكلِّم وتُضيف معنىً للمخاطَب، وعليه فوصفُ الآيتين بالاشتمال على الحشو نشأ عن الغفلة وقلَّة التدبُّر في الغاية من سَوق القيدين في الآيتين.

أمَّا الآية الأولى فتُعرف الفائدة من ذكر العشرة ووصفها بالكاملة عند افتراض عدم وجود الكلمتين، فلو قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ لكان من المُحتمل أنَّه أراد كفاية أحد العددين، فإمَّا أنْ يصوم ثلاثة أيام وهو في الحج أو يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله، فإنَّ من المُحتمل أنَّ الشارع قد لاحظ مشقَّة الصوم في موسم الحج فلم يفرض على المكلَّف سوى ثلاثة أيام لو اختار الصوم في الحج ولكنَّه لو اختار الصوم في بلده وبين أهله فعليه أنْ يجعله سبعةَ أيام.

فالآية لو قطعنا النظر عن التذييل بالعشرة الكاملة فإنَّها تحتمل المعنى المذكور، والعطف بالواو لا ينفي هذا الاحتمال، لأنَّ الواو وإنْ كانت ظاهرة في إرادة الجمع لكنَّها تأتي بمعنى الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾(3) فإنَّ مفاد الآية هو الأمر بموعظة الزوجة الناشز، فإنْ لم تُجدِ معها الموعظة فالهجران في المضجع، فإنْ لم ينفع ذلك في التخلِّي عن نشوزها فالضرب غير الموجِع كما أفادت الروايات(4)، فالواو في الآية استُعملت لإفادة معنى الترتيب وليس الجمع بين الخصال الثلاث في عرضٍ واحد، وقد تأتي الواو لإفادة معنى الإباحة والتخيير كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾(5) فمفاد الآية هو الأمر بأنْ يقوموا مثنى أو فرادى، وكذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾(6).

وعليه فلو اقتصرت الآيةُ على قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ لكان من المُحتمل أنَّها أرادت الترتيب أو التخيير بمعنى أنَّ المكلَّف الحاج العاجز عن ذبح الهدي عليه أنْ يصوم بدل الهدي ثلاثة أيام في مكة في موسم الحج، فإنْ لم يستطع أو لم يفعل فعليه أنْ يصوم سبعة أيامٍ إذا رجع إلى بلده، فهو إذن مكلَّفٌ ابتداءً بالصوم في الحجِّ ثلاثة أيامٍ فإنْ لم يفعل لزمه الصوم في بلده سبعة أيام، ويحتمل أنَّ المراد هو التخيير بين الصومين، فله أنْ يترك الصوم في الحج اختيارًا ويصوم سبعة أيام في بلده وله أن يصوم في الحج ثلاثة أيام فيسقط عنه الصوم في بلده، فاحتمال إرادة أحد هذين المعنيين قائم لو قطعنا النظر عن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.

ومن ذلك تتضَّح الفائدة من تذييل الآية بهذه الفقرة، إذ بها ينتفي احتمال إراد الترتيب أو التخيير ويتعيَّن أنَّ المراد من الآية هو الجمع أي أنَّ على المكَّلف العاجز عن ذبح الهدي الجمع بين الصوم في الحج ثلاثة أيام والصوم في بلده سبعة أيام، فهذا المعنى لا يمكن التيقُّن من إرادته لولا أنَّ الآية قد خُتمت بقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.

ولو أنَّ الآية اقتصرت على ذكر العشرة دون أنْ تصفَها بالكاملة لصحَّ القول أنَّ الآية متصدِّية لإيضاح الواضح، فما من أحدٍ إلا ويعلم أنَّ الثلاثة مع السبعة تُساوي عشرة لكنَّه حين وصفها بالكاملة عُلم من ذلك أنَّه لم يقصد من قوله عشرة بيان ناتج الجمع وإنَّما أراد بيان لزوم صوم تمام العشرة، فذكر العشرة كان توطئة لبيان أنَّ المطلوب هو صوم تمام العشرة، وهذا الأسلوب متعارَفٌ عند أهل المحاورة، فمثلًا يقول أحدهم لصديقه كم عندك من النقود فيقول خمسة دنانير فيقول وعندي خمسة دنانير فهذه عشرة دنانير تكفي لشراء طعام العشاء، فهو حين قال: فهذه عشرة دنانير لم يقصد تعليم صديقه حاصل الجمع بين الخمسة والخمسة فإنَّ ذلك في غاية الوضوح وإنَّما قصد من ذلك التوطئة للجملة التي تليها وهي كفاية هذا المقدار من المال لشراء طعام العشاء، فلو قال بعد قوله وعندي خمسة دنانير تكفي لشراء طعام العشاء لأوهم كلامه أنَّ الخمسة كافية، كذلك لو قالت الآية: "كاملة: بعد القول "وسبعة إذا رجعتم" لأوهم ذلك أنَّ السبعة كافية.

وخلاصة القول: هو انَّه لا يتبيَّن بنحو اليقين إرادة الآية الأمر بصيام تمام العشرة أيام إلا مع إضافة هذه الفقرة من الآية أعني قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فمع عدمها وعدم ما يقوم مقامها تكون الآية غير صريحة في إرادة الجمع بين العددين، وبذلك لا يكون الذكر للعشرة الكاملة من الحشو في الكلام كما يزعم صاحبُ الشبهة بل هو مِن التأكيد لإرادة الجمع بين الصومين.

وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ فكذلك لا يُعدُّ قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من الحشو في الكلام، فإنَّه وإنْ كان من الواضح أن كلَّ طائر فهو يطير بجناحيه إلا أنَّ الغرض من توصيف الطائر في الآية بذلك هو المنع من توهُّم إرادة المجاز، فإنَّ الطيران كثيرًا ما يستعمل مجازًا للتعبير عن سرعة الحركة وذلك في مقابل الدبيب على الأرض فإنَّه يُستعمل للتعبير عن الحركة البطيئة.

ومثال ذلك قول الشاعر(7):

لمَّا رأوني وقد فُتُّ النجاءَ بهم ** سعيًا يُقصِّر عنه كلّ طيَّارِ

فالمراد من الطيَّار هو الخيل السريع الحركة.

وكذلك هو المراد من قول حجوة الغساني(8):

ستأتيكم مثل الأسود مغيرة ** على كل طيَّارٍ يزيدُ على الزجر

ويقول المتنبي(9):

على كل طيَّارٍ إليها برجلِه ** إذا وقعت في مسمعَيْهِ الغماغمُ

ويقول ابن اللبانة(10):

من كلِّ طيار يجيء كأنَّه ** من كلِّ عضوٍ فيه هز جناحا

وعليه فورود كلمة الطائر خصوصًا بعد عنوان الدابة قد يُوهم أنَّ الآية أرادت الحديث عن صنفين من حيوانات الأرض الأول هو البطيء الذي يدبُّ على الأرض كالزواحف وكالحيوانات الثقيلة، والثاني هو الحيوان ذو الحركة السريعة، فإنَّه كثيرًا ما تُشبَّه سرعته بالطيران، فحتى لا يتوهَّم المتلقِّي للآية إرادة هذا المعنى ذَيَّلت الآية كلمة الطائر بقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فإنَّ توصيف الطائر بهذا الوصف يمنع من تطرُّق احتمال إرادة غير الطائر الحقيقي الذي يطيرُ في الهواء.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ محمد صنقور

من كتاب شبهات الملحدين حول القرآن


1- البقرة/196.

2- الأنعام/38.

3- النساء/34.

4- من لا يحضره الفقيه للصدوق ج 3 ص 521، تفسير القمي لعليِّ بن إبراهيم القمي ج1 ص 137، مجمع البيان للطبرسي ج3 ص 80.

5- سبأ/46.

6- النساء/3.

7- البيت لابن النبّاش: التذكرة الحمدونيّة - ابن حمدون - ج9 / ص335.

8- تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - ج12 / ص238.

9- ديوان المتنبي - أبو الطيب المتنبي - ص379.

10- الحماسة المغربيّة - أحمد بن عبد السلام الجرّاوي التادلي - ج2 / ص1156.