الفرق بين صيد البحر وطعامه في الآية
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، أليس صيد البحر هو السمك وطعامه هو السمك الذي لا يحلُّ إلا بالصيد فما هو وجه التكرار في الآية الشريفة إلا أن يكون المراد من طعام البحر هو السمك الطافي أو الذي يقذفُه البحر فيُؤخذ دون صيد فتكون الآية دليلًا على جواز أكل ميتة البحر كما يذهب لذلك العامَّة.
الجواب:
الآية المباركة بصدد بيان حكم ما يُباح وما يحرم على المُحرِم للحجِّ أو العمرة من الصيد، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾(1) فمفاد صدر الآية هو أنَّه يُباح للمحرم حال الإحرام صيد البحر سواءً تصدَّى هو بنفسه لاصطياده أو كان قد اصطاده غيرُه، وسواءً كان الذي اصطاده مُحرِمًا أو محلًّا، ففي تمام هذه الفروض يصحُّ للمحرم تناول صيد البحر وهو السمك.
ثم إنَّه قد يقعُ الشك في أنَّه هل يُباح للمحرم أنْ يحمل معه ويدَّخر شيئًا ممَّا قد اصطاده أو اصطاده غيرُه ويتناوله بعد ذلك حال إحرامه أو أنَّه لا يُباح له اصطحاب شيءٍ من صيد البحر للحج فجاءت كلمة: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ لبيان أنَّ إباحة صيد البحر مطلقة، فللمحرم أنْ يتناول صيد البحر وهو في البحر أو قريب منه، وله أنْ يتزوَّد من اللحم المُتَّخذ من صيد البحر في سفره إلى الحج دون حرج، والقرينة على ذلك قوله تعالى بعد بيان إباحة صيد البحر وطعامه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فهو مباح مطلقًا للحاضرين والمتزوِّدين به في سفرهم، فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ جاء لنفي وهمٍ أو شكٍّ مقدَّر هو أنَّه ليس للمُحرم أنْ يحمل معه شيئًا من صيد البحر وأنَّ ما أُبيح له من صيد البحر هو مقدار ما يتناوله في حضره وحسب، والحاجة إلى نفي هذا التوهُّم هو أنَّ صيد البر محرَّم على المحرم تناوله مطلقًا، فلا يجوز له أن يتناول شيئًا ممَّا قد اصطاده هو أو غيره كما لا يجوز له التزوُّد بشيء من صيد البر ليتناوله في سفره، ولذك حين أُبيح صيد البحر كان من المُحتمل أنَّ الإباحة مقتصرة على ظرف اصطياده وأنَّه لا يجوز التزوُّد منه كما لا يجوز التزوُّد من صيد البر فجاءت الآية لنفي هذا الاحتمال وأفادت أنَّه يُباح للمحرم التزوُّد من طعام البحر في السفر.
ويُؤيِّد هذا الفهم الذي ذكرناه أو يدلُّ عليه صحيحة معاوية بن عمَّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) -في حديث- قال: والسمك لا بأس بأكله طريِّه ومالحِه ويتزوَّد قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ قال: فليتخيَّر الذين يأكلون"(2) فيحلُّ للمُحرِم الأكل من طريِّ السمك كما يحلُّ له التزوُّد من مالحِه في سفره.
وروى العياشي في (تفسيره) عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألتُه عن قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ قال: هي الحيتان المالح، وما تزوَّدتَ منه أيضًا، وإنْ لم يكن مالحًا فهو متاع"(3).
فظاهر الرواية هو السؤال عن المقصود من الطعام في الآية المباركة فجاء الجواب: هي الحيتان المالح وما تزوَّدتَ به فإنَّ ذلك ممَّا يحلُّ للمحرم.
فطعامُ البحر وإنْ كان هو ذاته في الأصل صيد البحر إلا أنَّ التنصيص عليه جاء لغرض دفع توهُّم حرمة التزوُّد به على المُحرم وتناوله في السفر حال الإحرام فإنَّ ذلك محتمل لولا بيان الآية للجواز خصوصًا بعد الالتفات إلى أنَّه يحرم على المحرم التزوُّد من لحم صيد البر.
ولذلك لا يصحُّ رفع اليد عمَّا دلَّ على حرمة السمك الطافي وما يقذفه البحر من السمك الميِّت، لا يصح رفع اليد عمَّا دلَّ على حرمة ذلك لمجرَّد احتمال أنَّ صيد البحر غير طعامه في الآية فإنَّ الدليل على حرمة السمك الطافي والمقذوف يصلح وحده قرينة على أنَّ المراد من الطعام في الآية ليس هو السمك الطافي والمقذوف، فطعام البحر إما أنْ يكون هو لحم السمك الذي يحمله المسافرون بعد معالجته كما هو مقتضى قوله "متاعا لكم وللسيارة" وكما دلَّ على ذلك ما ورد عن أهل البيت (ع) ومع عدم القبول بذلك من قبل المخالف فليُحمل قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ على بيض السمك المباح وبيض طيور البحر المباحة فإنَّ ذلك ليس من الصيد وهو من طعام البحر، فلا مقتضي لتعيُّن إرادة السمك الطافي لمجرَّد أنَّه ليس من الصيد بل المقتضي لعدم إرادته موجود وهي الأدلة التي دلَّت على حرمة السمك الطافي والمقذوف من البحر ميِّتًا.
وهنا احتمال آخر لمعنى الآية استظهره عددٌ من المفسِّرين وهو أنَّ المراد صيد البحر هو المعنى المصدري وليس المراد منه المَصيد أي ما يُصاد كما في المعنى الأول، فمفاد قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ بناءً على الاحتمال الثاني هو بيان حكم الاصطياد أو قل فعل الصيد فيكون قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ بيانًا لحكم آخر وهو الأكل لطعام البحر، فالآية بناءً على هذا الاحتمال مبيِّنة لحكمين، أحدهما حكم الاصطياد للمحرم، والثاني حكم أكل المحرم لطعام البحر، فمفاد الآية أنَّ الاصطياد مباح للمحرم وأنَّ تناول طعام البحر وأكله مباحٌ أيضًا للمحرم، فحيثُ إنَّه كان من الممكن أنَّ يكون الاصطياد مباحًا للمحرم ويكون الأكل حرامًا عليه، إذ لا ملازمة بين حليَّة الاصطياد وحليَّة الأكل لذلك كان اللازم بين حكم الموضوعين، فتصدَّت الفقرةُ الأولى من الآية لبيان حكم الاصطياد وهو الإباحة، وتصدَّت الفقرةُ الثانية وهي قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ لبيان حكم الأكل فأفادت أنَّه مباح أيضًا، ولولا قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ لكان من المُحتمل أن يكون حكم الأكل للمحرم من طعام البحر هو الحرمة رغم أنَّ الاصطياد مباح.
وبذلك لا يكون قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ تكرارًا كما لا تكون دليلًا على جواز أكل الطافي والمقذوف من السمك الميِّت، إذ أنَّ الآية ليست في مقام بيان ما يحلُّ من طعام البحر وإنَّما هي بصدد بيان أنَّ الإحرام للحج ليس موجبًا لحرمة ما كان مباحًا من صيد وطعام البحر قبل الإحرام كما هو موجب لذلك من جهة صيد البر، وعليه فما كان مباحًا من طعام البحر قبل الإحرام هو ذاته مباح بعد الإحرام، وأمَّا ما هو المباح من ذلك فالآيةُ ليست بصدد البيان له.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور
1- سورة المائدة / 96.
2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج12 / ص426.
3- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج1 / ص347.