نجى فرعون من الغرق أو لا؟!

شبهة لمسيحي:

يُخاطب الرّب فرعون بعد أن طارد اليهود حتى بلغوا البحر، وقبل أن يغرق هذا الطاغية مع الغارقين، يُخاطبه الرّبُّ قائلاً: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً﴾(1) ويترتَّب على هذا أنَّ الله نجَّى فرعون من الغرق؟! لكن القرآن يقول في آيةٍ أُخرى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾(2) وفي مورد ثانٍ: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾(3) وفي موردٍ ثالث: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(4)!! فأيُّ القصتين نُصدق؟ هل أغرق اللهُ فرعون في البحر أم أنقذه ليتركه آيةً لمَن يُريد أنْ يتعظ؟!

 

الجواب:

لا تنافي بين الغرق ونجاة البدن:

لا ريب في أنَّ فرعون كان قد هلك بالغرق في اليم فيمَن غرق كما هو صريح الآيات الكثيرة الواردة في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾(5).

 

وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً﴾(6) فهو ليس ظاهراً في بقاء فرعون على قيد الحياة وإنَّما هو ظاهرٌ في عدم تلاشي جسد فرعون بعد حادثة الغرق أو فقدانه أو تغيُّر معالمه بحيث يصعب التعرُّف على انتسابه لفرعون.

 

فمفاد الآية المباركة أنَّ جثة فرعون قد نجت وسلمت فرآها بنو إسرائيل وهي طافية على الماء أو رأوها بعد أنْ قذفتها الأمواج إلى الساحل فتعرَّفوا على انتسابها لفرعون دون أنْ ينتابهم من ذلك شك، فكان في ذلك عظة لهم وحتى لا تذهب بهم الأوهام إلى أنَّه لم يكن في المغرقين نظراً لإستعظامهم شأنه واستبعادهم لموته حيثُ كان يدَّعي لنفسه الربوبية.

 

فكان في نجاة بدنه من التلف ورؤيتهم له وهو جثة هامدة لا حياة فيها سدٌّ لكل طريق قد يتسرَّب منه وهمٌ يكون مثاراً للشبهات في وسط مجتمعٍ وعى للدنيا وفرعون فيها يملك الحرث والنسل والموت والحياة بحسب زعمه وما أصَّل له من ثقافة.

 

الرويات الشريفة تُعلِّل نجاة بدن فرعون

ولهذا ورد عن أبي جعفر الباقر (ع) أنَّه قال: "وأمَّا فرعون فنبذه الله وحده فألقاه بالساحل لينظروا إليه وليعرفوه ليكون لمَن خلفه آية ولئلا يشك أحد في هلاكه وأنَّهم كانوا اتَّخذوه ربَّاً فأراهم الله إياه جيفةً مُلقاةً بالساحل ليكون لمَن خلفه عبرة وعظة"(7).

 

وقال عليُّ بن إبراهيم: قال الصادق (ع): "فانَّ موسى (عليه السلام) أخبر بني إسرائيل أنَّ الله قد أغرق فرعون فلم يُصدِّقوه فأمر اللهُ البحر فلفَظَ به على ساحل البحر حتى رأوه ميتاً"(8).

 

مفادُ الآية نجاة البدن وليس نجاة الذات

والمتحصَّل أنَّ مفاد الآية المباركة أنَّ النجاة كانت لجثة فرعون ولم تكن لحياته كما هو واضح لكلِّ مَن له أدنى فهمٍ بلغة العرب، فإنَّ النجاة قد نُسبت لبدن فرعون ولم تُنسب لفرعون ذاته.

 

فلو كان المراد من الآية هو نجاة فرعون وحياته لكان المتعيَّن في لغة العرب أن تُنسب النجاة لذات فرعون لا إلى بدنه فيقال مثلاً: فاليوم ننجِّيك لتكون لمَن خلفك آية، فلا معنى لإضافة كلمة البدن لو كانت النجاة للحياة بل لا محلَّ لها، لأنَّها تُنتج صرف المعنى من نجاة الذات إلى نجاة خصوص البدن.

 

القرآن يفرق بين نجاة الذات ونجاة البدن

ولهذا نجد القرآن في آياتٍ كثيرة أسند النجاة إلى الذات حين كان مراده نجاة الحياة كما في قوله تعالى يحكي ما وقع لنوحٍ (ع) واللذين آمنوا معه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾(9) وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾(10) وقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾(11) فهو تعالى قد أسند النجاة في الآيات المذكورة إلى ذات نوح والذين معه ولم يُسندها إلى أبدانهم.

 

وكذلك هو ما حكاه عن لوط (ع) وأهله، قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾(12) ولم يقل فأنجيناه ببدنه.

 

وقال تعالى يُخبر عمَّا وقع لإبراهيم (ع) حين أزمع قومُه قتله أو إحراقه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾(13).

 

وقال تعالى يحكي ما وقع لأحد الرجلين اللذَين صحبا يوسف(ع) في السجن وهو الذي كان يسقي ربَّه خمراً: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾(14) فقد أسند النجاة إلى ذات الرجل نظراً لكونه قد نجا من القتل بخلاف الآخر حيث صُلب فأكلت الطيور من رأسه.

 

وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة﴾(15).

وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾(16).

وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾(17).

 

فكلُّ هذه الآيات وآياتٌ أخرى أسندت النجاة إلى الذوات حين كان المراد منها نجاة الحياة من الهلاك والموت، أما حين يكون متعلَّق النجاة غير الهلاك فإنَّه يتمُّ التنصيص عليه كما هو مورد البحث أعني نجاة بدن فرعون.

 

إلتفاتة أخيرة

على أنَّه لو كانت حياة فرعون قد سلمت ونجت من الموت والهلاك فإنَّ من المحتَّم نجاة بدنه، لذلك يكون من اللغو الإشارة إلى نجاة البدن بعد الإخبار عن بقاء الحياة، وعلى خلاف ذلك نجاة البدن فإنَّه لا يُلازم بقاء الحياة، فكثيراً بل غالباً ما يتأخَّر تلفُ البدن وتلاشيه عن زهاق الروح.

 

والحمد لله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

من كتاب شبهات مسيحيَّة


1- سورة يونس / 92.

2- سورة القصص / 40.

3- سورة الإسراء / 103.

4- سورة الزخرف / 55.

5- سورة الإسراء / 103.

6- سورة يونس / 92.

7- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج1 / ص316.

8- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج 1 ص 316.

9- سورة الأعراف / 64.

10- سورة الأعراف / 72.

11- سورة الشعراء / 119.

12- سورة النمل / 57.

13- سورة العنكبوت / 24.

14- سورة يوسف / 45.

15- سورة هود / 58.

16- سورة هود / 66.

17- سورة هود / 94.