القسم في سورة الطارق

 

حلف سبحانه بأمرين: بالسماء والطارق، ثمّ فسر الطارق بالنجم الثاقب، حلف بهما بغية دعوة الناس إلى الاِذعان بأنّ لكلّ نفس حافظ.

قال سبحانه: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ / وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ / ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ / إِن كُلُّ نَفۡسٍ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ﴾(1).

أمّا السماء فقد مرّ البحث فيه، والطارق من الطرق ويسمّى السبيل طريقاً، لاَنّه يطرق بالاَرجل أي يضرب، لكن خصّ في العرف بالآتي ليلاً، فقيل انّه طرق أهله طروقاً، وعبر عن النجم بالطارق لاختصاص ظهوره بالليل.

النجم الثاقب والثاقب الشيء الذي يثقب بنوره وإصابته ما يقع عليه، قال سبحانه: ﴿فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ﴾(2).

﴿إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ﴾ فلفظة (لما) بمعنى إلاّ نظير قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾(3) ونظيره قولك: "سألتك باللّه لما فعلت".

والمراد من حافظ هم الموكلون على كتابة أعمال الاِنسان حسنها وسيئها، يحاسب عليها يوم القيامة ويجزى بها فالحافظ هو الملك والمحفوظ هو العمل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ / كِرَامٗا كَٰتِبِينَ / يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ﴾(4) ويحتمل أن يراد من حافظ هو القوة الحافظة للاِنسان من الموت وفساد البدن ولعلّه إليه يرشد قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً﴾(5).

والقوى الظاهرية والمادية والمعنوية التي هي من جنود ربنا والتي وكّلت لحفظ الاِنسان من الشر إلى أن ينقضي عمره، هم الحفظة، ولكن المعنى الاَوّل هو الاَنسب.

بقي هنا أمران:

الاَوّل: انّ المراد من النجم الثاقب هو كوكب زحل، فانّه من أبعد النجوم في مجموعتنا الشمسية التي يمكن روَيتها بالعين المجردة وقيل لزحل عشرة أقمار يمكن روَية ثمانية منها بالناظور العادي.

ولا يمكن روَية الآخرين إلاّ بالنواظير الكبيرة، والظاهر انّ المراد مطلق النجم الذي يثقب ضوءه وإن كان زحل من أظهر مصاديقه.

وأمّا المقسم عليه فهو قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ﴾.

وأمّا الصلة بينهما بالنحو التالي:

هو انّ السماء العالية والنجوم التي تتحرك في مدارات منظمة دليل النظم والحساب الدقيق، فليعلم الاِنسان بأنّ أعماله أيضاً تخضع للحساب الدقيق، فانّ هناك من يحفظ أعماله ويسجّلها إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر، وانّها لمسوَولية عظيمة يحملها الاِنسان، إذ ما من أحد إلاّ وهو مراقب، تكتب عليه كلّ أعماله من المهد إلى اللحد، فليس من شيء يضيع في هذه الدنيا أبداً. هذا إذا قلنا بأنّ المراد من حافظ هو حافظ الاَعمال، وأمّا إذا فسرت من يحفظ الاِنسان من الحوادث والمهالك، فالصلة بالنحو التالي:

وهو انّ للنفوس رقيباً يحفظها ويدبر شوَونها في جميع أطوار وجودها حتى ينتهي أجلها، كما أنّ للسماء مدبراً لشوَونها بما تحتويه من أنظمة رائعة ومعقدة، فالفضاء الكوني فسيح جداً تتحرك فيه كواكب لا حصر لها، بسرعة خارقة، بعضها يواصل رحلته وحده، ومنها أزواج تسير مثنى مثنى، ومنها ما يتحرك في شكل مجموعات، والكواكب على كثرتها يواصل كلّ واحد منها سفره على بُعد عظيم يفصله عن الكواكب الاَُخرى.

إنّ هذا الكون يتألف من مجموعات كثيرة من الكواكب والنجوم تسمّى مجاميع النجوم، وكلّها تتحرك دائماً وتدور في نظام رائع.

ومع هذا الدوران تجري حركة أُخرى وهي انّ هذا الكون يتسع من كلّجوانبه، كالبالون المتخذ من المطاط، وجميع النجوم تبتعد في كلّ ثانية بسرعة فائقة عن مكانها، هذه الحركة المدهشة تحدث طبقاً لنظام وقواعد محكمة بحيث لا يصطدم بعضها ببعض ولا يحدث اختلاف في سرعتها(6).


1- الطارق:1ـ 4.

2- الصافات:10.

3- هود:111.

4- الانفطار: 10 ـ 12.

5- الاَنعام: 61.

6- الاِسلام يتحدى: 58.