القسم في سورة الذاريات

 

لقد حلف سبحانه بأُمور أربعة متتابعة وقال:

1- ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا﴾.

2- ﴿فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا﴾.

3- ﴿فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا﴾.

4- ﴿فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا / إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ / وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ﴾(1).

ثمّ حلف بخامس فرداً أي قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ﴾.

أمّا الاَوّل أعني: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا﴾ فهي جمع ذارية، ومعناها الريح التي تُنشر شيئاً في الفضاء، يقول سبحانه: ﴿فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ﴾(2). ولعلّ هذه قرينة على أنّ المراد من الذاريات هي الرياح.

وأمّا ﴿فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ﴾، فهي، من الحمل، والوقر -على زنة الفكر- ذو الوزن الثقيل.

والمراد منه السحب، يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾(3) وقال سبحانه: ﴿رَحۡمَتِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ﴾(4).

وأمّا الجاريات، فهي جمع جارية، والمراد بها السفن، بشهادة قوله سبحانه: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾(5) وقال: ﴿وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ﴾(6) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾(7).

وأمّا ﴿فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ﴾، فالمراد الملائكة التي تقسم الاَرزاق بواسطتها التي ينتهي إليه التقسيم.

يقول العلاّمة الطباطبائي: وإقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم، فانّ أمر ذي العرش بالخلق والتدبير واحد، فإذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم انشعب الاَمر وتقسم بتقسمهم، ثمّ إذا حمله طائفة هي دون الطائفة الاَُولى تقسم ثانياً بتقسمهم وهكذا، حتى ينتهي إلى الملائكة المباشرين للحوادث الكونية الجزئية فينقسم بانقسامها ويتكثر بتكثرها.

والآيات الاَربع تشير إلى عامة التدبير حيث ذكرت انموذجاً ممّا يدبّر به الاَمر في البر وهو الذاريات ذرواً، وانموذجاً ممّا يدبّر به الاَمر في البحر وهو الجاريات يسراً، وانموذجاً ممّا يدبّر به الاَمر في الجو وهو الحاملات وقراً، وتمم الجميع بالملائكة الذين هم وسائط التدبير، وهم المقسِّمات أمراً.

فالآيات في معنى أن يقال: أُقسم بعامة الاَسباب التي يتمم بها أمر التدبير في العالم ان كذا كذا، وقد ورد من طرق الخاصة والعامة عن علي (عليه السلام) تفسير الآيات الاَربع(8).

وبذلك يعلم قيمة ما روي عن الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) في تفسير الآية عندما سأله ابن الكوا عن هذه الاَقسام الاَربعة -وهو يخطب على المنبر- فقال:

قال: ما ﴿ٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا﴾؟ قال (عليه السلام): الرياح.

قال: ﴿فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا﴾؟ قال (عليه السلام): السحاب.

قال: ﴿فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا﴾؟ قال: السفن.

قال: ﴿فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا﴾؟ قال: الملائكة.

ثمّ إنّه سبحانه حلف بالذاريات بواو القسم، وحلف بالثلاثة بعطفها على الذاريات بالفاء فيحمل المعطوف معنى القسم أيضاً.

هذا كلّه حول المقسم به.

وأمّا المقسم عليه: هو قوله:﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ / وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ﴾ أي إنّما توعدون من الثواب و العقاب والجنة والنار لصادق، أي صدق لابدّ من كونه فهو اسم الفاعل، موضع المصدر، وانّ الدين أي الجزاء لواقع والحساب لكائن يوم القيامة.

وعلى ذلك ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ﴾ جواب القسم، وقوله: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ﴾ معطوف عليه بمنزلة التفسير، والمعنى أقسم بكذا وكذا، انّالذي توعدونه من يوم البعث وانّ اللّه سيجزيهم فيه بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر لصادق وانّ الجزاء لواقع(9).

وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه هو انّه سبحانه أقسم بعامة الاَسباب التي يتم بها أمر التدبير في العالم، لغاية أنّ هذا التدبير ليس سدى وبلا غاية، والغاية هي يوم الدين والجزاء وعود الاِنسان إلى المعاد، إذ لولا الغاية لاَصبح تدبير الاَمر في البر والبحر والجو وتدبير الملائكة شيئاً عبثاً بلا غاية، فهو سبحانه يحاول أن يبين أنّما يقوم به من أمر التدبير لغاية البعث وانتقال الاِنسان من هذه الدار إلى دار أُخرى هو أكمل.

وفي ختام البحث نود أن ننقل شيئاً عن عظمة الرياح والسحاب والتي كشف عنها العلم الحديث.

فالرياح هي حركة الهواء الموجود في الطبقات السفلى من الجو، إذا سارت متوازية مع سطح الاَرض، وتختلف سرعة الرياح حتى تصل إلى مائة كيلومتر في الساعة فتسمى زوبعة، وإذا زادت على مائة سمّيت إعصاراً، وقد تصل سرعة الاَعصار إلى 240 كيلومتراً في الساعة، والرياح هي العامل المهم في نقل بخار الماء وتوزيعه، ومن تكاثف هذا البخار في الهواء بالتبريد، بعد أن تصل حالته إلى ما فوق التشبع تتكون السحب. ويختلف ارتفاع السحب على حسب نوعها، فمنها ما يكون على سطح الاَرض كالضباب، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداً إلى أكثر من 12 كيلومتراً. كسحاب السيرس الرقيق.

وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة، لا يمكن نزول قطرات المطر المتكون، وذلك بالنسبة لمقاومة هذا الريح لها، ورفعها معه إلى أعلى، حيث ينمو حجمها، ويزداد قطرها.

ومتى بلغت أقطار النقط نصف سنتيمتر، تتناثر إلى نقط صغيرة لا تلبث أن تكبر بدورها، ثمّ تتجزأ بالطريقة السابقة وهكذا .. وكلما تناثرت هذه النقط، تشحن بالكهرباء الموجبة وتنفصل الكهرباء السالبة التي تحمل الرياح .. وبعد مدة تصير السحب مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء.

فعندما تقترب الشحنتان بعضهما من بعض بواسطة الرياح كذلك يتم التفريغ الكهربائي وذلك بمرور شرارة بينهما، ويستغرق وميض البرق لحظة قصيرة وبعده يسمع الرعد، و هو عبارة عن الموجات الصوتية التي يحدثها الهواء، وما هي إلاّبرهة حتى تخيّم على السماء سحابة المطر القاتمة اللون، ثمّ تظهر نقط كبيرة من الماء تسقط على الاَرض، وفجأة يشتد المطر ويستمر حتى تأخذ الاَرض ما قدر اللّه لها من الماء(10).


1- سورة الذاريات / 1-6.

2- سورة الكهف / 45.

3- سورة الرعد / 12.

4- سورة الاَعراف / 57.

5- سورة يونس / 22.

6- سورة البقرة / 164.

7- سورة الحاقة / 11.

8- الميزان ج18 / ص365.

9- الميزان ج18 / ص366.

10- اللّه والعلم الحديث ص135-136.