القسم في سورة القلم

 

حلف سبحانه بالقلم وما يسطرون معاً مرّة واحدة، وقال: ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ / مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٍ / وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٍ / وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(1).

وقبل تفسير الآيات نقدّم شيئاً وهو أنّ لفظة ﴿نٓ﴾ من الحروف المقطعة وقد تقدم تفسيرها.

وهناك وجوه أُخرى نذكرها تباعاً:

أ- "ن" هو السمكة التي جاء ذكرها في قصة يونس (عليه السلام) ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا﴾(2).

ب- انّ المراد به هو الدواة، و منه قول الشاعر: إذا ما الشوق يرجع بي اليهم ألقت النون بالدمع السجوم.

ج- انّ "ن" هو المداد الذي تكتب به الملائكة.

ولكن هذه الوجوه ضعيفة، لاَنّ الظاهر منها أنّها مقسم به، وعندئذٍ يجب أن يجرّ لا أن يسكّن.

يقول الزمخشري: وأمّا قولهم هو الدواة، فما أدري أهو وضع لغوي أم شرعي؟ ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة، من أن يكون جنساً أو علماً، فإن كان جنساً فأين الاِعراب والتنوين؟ وإن كان علماً فأين الاعراب؟ وأيّهما كان فلابدّ له من موقع في تأليف الكلام(3).

وبذلك يعلم وجه تجريد "ن" عن اللاّم واقتران القلم بها.

تفسير الآيات

1- حلف سبحانه بالقلم، وقال: ﴿وَمَا يَسۡطُرُونَ﴾ وهل المراد منه جنس القلم الذي يكتب به من في السماء ومن في الاَرض، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ / ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ / عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾(4). فمنّ سبحانه وتعالى بتيسير الكتابة بالقلم، كما منَّ بالنطق، وقال: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ / عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ﴾(5).

فالقلم والبيان نعمتان كبيرتان، فبالبيان يخاطب الحاضرين، كما أنّه بالقلم يخاطب الغائبين فتمكن بهما تعريف القريب والبعيد بما في قرارة ذهنه.

وربما قيل: إنّ المراد هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر: "إنّ أوّل ما خلق اللّه هو القلم" ولكنّه تفسير بعيد عن أذهان المخاطبين في صدر الاِسلام الذين لم يكونوا عارفين بأوّل ما خلق اللّه ولا بآخره.

ثمّ إنّه سبحانه حلف بـ ﴿مَا يَسۡطُرُونَ﴾، فلو كانت "ما" مصدرية يكون المراد "وسطرهم" فيكون القسم بنفس الكتابة، كما يحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب، وعلى ذلك حلف سبحانه بجنس القلم وبجنس الكتابة، أو بجنس المكتوب، كأنّه قيل: "أحلف بالقلم وسطرهم أو مسطوراتهم".

ثمّ إنّ في الحلف بالقلم والكتابة والمكتوب إلماعاً إلى مكانة القلم والكتابة في الاِسلام، كما أنّ في قوله سبحانه: ﴿عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ﴾ إشارة إلى ذلك، والعجب أنّ القرآن الكريم نزل وسط مجتمع ساده التخلّف والجهل والاَُميّة، وكان من يجيد القراءة والكتابة في العصر الجاهلي لا يتجاوز عدد الاَصابع، وقد سرد البلاذري في كتابه "فتوح البلدان" أسماء سبعة عشر رجلاً في مكة، وأحد عشر من يثرب(6).

وهذا ابن خلدون يحكي في مقدمته: أنّ عهد قريش بالكتابة لم يكن بعيداً، بل كان حديثاً وقريباً بعهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(7). ومع ذلك يعود القرآن ليوَكد بالحلف بالقلم على مكانة القلم والكتابة في الحضارة الاِسلامية، وجعل في ظل هذا التعليم أمة متحضرة احتلّت مكانتها بين الحضارات. وليس هذه الآية وحيد نسجها في الدعوة إلى القلم والكتابة بل ثمة آية أُخرى هي أكبر آية في الكتاب العزيز، يقول سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ ..﴾(8).

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حثّ على كتابة حديثه الذي هو المصدر الثاني بعد القرآن الكريم:

1- أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّشيء تسمعه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّحقّاً"(9).

2- أخرج الترمذي في سننه عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "استعن بيمينك" وأومأ بيده للخط(10).

3- أخرج الخطيب البغدادي عن رافع بن خديج، قال: مرّعلينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً، ونحن نتحدّث، فقال: "ما تحدّثون؟" فقلنا: نتحدّث عنك يا رسول اللّه. قال: "تحدّثوا، وليتبوّأ من كذّب عليّ مقعداً من جهنم".

ومضى (صلى الله عليه وآله وسلم) بحاجته،ونكس القوم روَوسهم .. فقال:"ما شأنكم؟ ألا تحدّثون؟". قالوا: الذي سمعنا منك، يا رسول اللّه. قال: "إنّي لم أرد ذلك، إنّما أردت من تعمّد ذلك" قال: فتحدثنا. قال: قلت: يا رسول اللّه: إنّا نسمع منك أشياء، فنكتبها. قال: "اكتبوا ولا حرج"(11).

وبعد هذه الاَهمية البالغة التي أولاها الكتاب العزيز والنبي للكتابة، أفهل من المعقول أن ينسب إليه انّه منع من كتابة الحديث؟! مع أنّها أحاديث آحاد تضاد الكتاب العزيز والسنّة والسيرة المتواترة ونجلُّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحيلولة دون كتابة السنّة.

هذا والكلام ذو شجون وقد أسهبنا البحث حوله في كتاب "الحديث النبوي بين الرواية والدراية"(12).

هذا كلّه حول المقسم به.

وأمّا المقسم عليه: فقد جاء في قوله سبحانه: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٍ﴾ والمراد من النعمة النبوّة والاِيمان، والباء للسببية أي لست أنت بسبب هذه النعمة بمجنون، رداً على من جعل نبوّته ونزول القرآن عليه دليلاً على جنونه، قال سبحانه: ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ / وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾(13).

ويحتمل أن يكون المراد من النعمة كلّما تفضل عليه سبحانه من النعم وراء الاِيمان والنبوّة كفصاحته وبلاغته وعقله الكامل وخلقه الممتاز، فانّ هذه الصفات تنافي حصول الجنون.

واحتمل الرازي أن يكون جملة ﴿بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ﴾ مقطوعة عمّا قبله و ما بعده، وانّ وزانها وزان بحمد اللّه في الجمل التالية:

أنت - بحمد اللّه - عاقل.

أنت - بحمد اللّه - لست بمجنون.

أنت - بنعمة اللّه - فهيم.

أنت - بنعمة اللّه - لست بفقير.

وعلى هذا التقدير يكون معنى الآية "ما أنت - في ظل نعمة ربّك - بمجنون(14).

وهناك احتمال ثالث وهو نفس هذا الاحتمال، وجعل الباء حرف القسم، وعلى ذلك يكون الحلف مقروناً بالدليل، وهو: انّ من أنعم اللّه عليه بهذه النعم الاِلهية كيف يتهمونه بالجنون، مضافاً إلى أنّ لك في الآخرة لاَجراً غير ممنون، كما قال سبحانه:﴿وَإِنَّ لَكَ لاَجْراً غير مَمنون﴾ والممنون مشتق من مادة "منّ" بمعنى القطع أي الجزاء المتواصل إلى الاَبد.

ثمّ إنّه سبحانه يستدل بدليل آخر على نزاهته من هذه التهمة، وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فمن كان على خلق يعترف به القريب والبعيد فكيف يكون مجنوناً؟!

فقد تجسَّم في شخصية الرسول العطف والحنان إلى القريب والبعيد، والصبر والاستقامة في طريق الهدف، والعفو عن المتجاوز بعد التمكن والقدرة، والتجافي عن الدنيا وغرورها، إلى غير ذلك من محاسن الاَخلاق، وبذلك ظهر انّ الحلف صار مقروناً بالدليل.

وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فهو انّ القلم والكتابة آية العقل والدراية، فحلف به لغاية نفي الجنون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

يقول المراغي: أقسم ربّنا بالقلم ومايسطر به من الكتب: انّمحمّداً الذي أنعم اللّه عليه بنعمة النبوّة ليس بمجنون كما تدّعون، وكيف يكون مجنوناً والكتب والاَقلام أعدت لكتابة ما ينزل عليه من الوحي؟!(15).

ونختم البحث بحديث رواه الشيخ يحيى البحراني عن النبيفي كتابه "الشهاب في الحكم والآداب": قال:قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "ثلاثة تخرق الحجب وتنتهي إلى ما بين يدي اللّه:

1. صرير أقلام العلماء.

2. وطء أقدام المجاهدين.

3. صوت مغازل المحسنات"(16).


1- سورة القلم / 1-4.

2- سورة الاَنبياء / 87.

3- الكشاف ج4 / ص126، تفسير سورة القلم.

4- سورة العلق / 3-5.

5- سورة الرحمن / 3-4.

6- فتوح البلدان ص457.

7- مقدمة ابن خلدون ص418.

8- سورة البقرة / 282.

9- سنن أبي داود ج3 / ص318 / رقم 3646 / باب في كتابة العلم، مسند أحمد ج2 / ص162، سنن الدارمي ج1 / ص125 / باب من رخص في كتابة العلم.

10- سنن الترمذي ج5 / ص39 / رقم 2666.

11- تقييد العلم ص72و73.

12- انظر ص12-32 من نفس الكتاب.

13- سورة القلم / 51-52.

14- تفسير الفخر الرازي ج29 / ص79.

15- تفسير المراغي ج29 / ص27.

16- الشهاب في الحكم والآداب ص22.