التمثيل السابع والخمسون - سورة الملك

 

﴿أمَّنْ هذا الّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أمْسَكَ رِزْقَه بَل لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ / أفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْههِ أهْدى أمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيم﴾(1).

تفسير الآيات:

"لجّ": من اللجاج: التمادي و العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه.

"عُتُوّ": التمرّد.

"النفور": التباعد عن الحقّ.

"مكب": من الكبو، و هو إسقاط الشيء على وجهه، قال سبحانه: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم فِي النّار﴾. ومنه قوله: "إنّ الجواد قد يكبو" أي قد يسقط، والمراد هنا بقرينة مقابله: ﴿يَمْشِي سَوِيّاً﴾، أي من يمشي ووجهه إلى الأرض لا الساقط. وقال الطبرسي: أي منكساً رأسه إلى الأرض، فهو لا يبصر الطريق ولا من يستقبله.

وأمّا الآيات فقد جاءت بصيغة السوَال بين الضالين الذين لجّوا في عتو ونفور وظلّوا متمسّكين بالأوثان والأصنام ، وبين المهتدين الذين يمشون في جادة التوحيد ولا يعبدون إلاّ الله القادر على كلّ شيء.

فمثل هوَلاء مثل من يمشي على أرض متعرجة غير مستوية يكثر فيها العثار، وبالتالى يسقط الماشي مكباً على وجهه، ومن يمشي على جادة مستوية مستقيمة ليس فيها عثرات، فيصل إلى هدفه بسهولة.

فالاختلاف بين هاتين الطائفتين ليس في كيفية المشي، وإنّما الاختلاف في طريقهم حيث إنّ طرق الكفّار ملتوية متعرجة فيها عقبات كثيرة، وطريق المهتدين مستقيمة لا اعوجاج فيها، فعاقبة المشي في الطريق الأوّل هو الانكباب على الأرض، وعاقبة المشى في الطريق الثاني هو الوصول إلى الهدف، فتأويل الآية: أفمن يمشي على طريق غير مستقيم بل متعرج ملتوٍ مكبّاً على وجهه أهدى أم من يمشي على صراط مستقيم بقامة مستقيمة.

قال العلاّمة الطباطبائي: والمراد أنّهم بلجاجهم في عتوّ عجيب ونفور من الحقّ، كمن يسلك سبيلاً و هو مكب على وجه لا يرى ما في الطريق من ارتفاع وانخفاض ومزالق ومعاثر ، فليس هذا السائر كمن يمشي سوياً على صراط مستقيم، فيرى موضع قدمه و ما يواجهه من الطريق على استقامة، وما يقصده من الغاية، وهؤلاء الكفّار سائرون سبيل الحياة وهم يعاندون الحقّ على علم به، فيغمضون عن معرفة ما عليهم أن يعرفوه والعمل بما عليهم أن يعملوا به، ولا يخضعون للحق حتى يكونوا على بصيرة من الأمر ويسلكوا سبيل الحياة وهم مستوون على صراط مستقيم فيأمنوا الهلاك.


1- سورة الملك / 21-22.