قصة داود مع الخصم الذين تسوَّروا المحراب .. هل هي رمزيَّة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ذكر البعض أنَّ قضية الخصمين اللذين تسورا المحراب على داود (ع) واحتكما عنده في النعاج هذه القضية رمزية وليست قصةً واقعيَّة، إذ من المُستبعد على داود (ع) الغفلة عن أنَّه لا يصحُّ الحكم وفصلُ الخصومة قبل الاستماع للطرفين، فالقضية إنَّما سِيقت للتعليم بأصول القضاء.
فما هو رأيكم في هذه الدعوى؟
الجواب:
إذا كان مراد صاحب الدعوى أنَّ الخصومة التي تمَّ عرضها على داود مِن قِبَل الخصمين كانت افتراضيَّة ولم تكن واقعيَّة فذلك محتمَل بل هو منصوصٌ عليه في بعض الروايات وإنْ كان أكثرها ضعيف السند، فأفادت هذه النصوص واعتمدها الكثير من المفسِّرين أنَّ الخصمين كانا ملَكين أو كانوا ملائكة جاؤوا لامتحان داود (ع) أو تنبيهه على ما ينبغي أنْ يكون عليه أُصول القضاء، وأنَّه ينبغي للقاضي التثبُّت والاصغاء لكلا الخصمين قبل البتِّ في الحكم، فبناءً على هذه النصوص تكون القضيَّة المعروضة على داود (ع) قضيَّة افتراضيَّة ولم تكن خصومةً واقعيَّة. فلو كان مقصود صاحب الدعوي من رمزيَّة هذه القصَّة هو أنَّ القضية المعروضة على داود (ع) كانت افتراضية فهذه الدعوى قد تكون صحيحة.
وأمَّا إذا كان مراده من دعواه أنَّه لم يكن ثمة خصوم قد تسوروا محراب داود(ع) ولم تكن ثمة خصومة قد تمَّ عرضُها عليه وأنَّ القصَّة التي عرضتها الآيات من سورة ص برمَّتها رمزيَّة ليس لها واقعٌ، فهذه الدعوى منافية لصريح الآيات التي بدأت بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾(1) فالآية وصفت تسوُّر الخصم للمحراب بالنبأ والذي هو بمعنى الخبر، والخبر يعني الحكاية لواقعٍ خارجي قابلٍ للصدق والكذب، فإنْ كانت الحكاية مطابقةً للمحكيِّ المُخبَرِ عنه فالخبرُ يكون صادقاً، وإن لم يكن مطابقاً للمُخبَرِ عنه فهو خبرٌ كاذب، فالقرآن وصف تسوُّر الخصمِ للمحراب أنَّه نبأ وأنَّه خبر، ومعنى ذلك أنَّه بصدد الحكاية لواقعةٍ قد حدثت وأنَّه بصدد الإخبار عنها، فهو إمَّا أن يكون صادقاً أو كاذباً يعني أنَّ الواقعة المحكيَّة بالآيات إمَّا أن تكون قد حدثت أو أنَّها لم تحدث، والقول بعدم حدوثها رغم أنَّ القرآن يُخبرُ عن حدوثها ليس له معنى سوى التكذيب للقرآن الذي وصف الحادثة المحكية بالنبأ.
ثم إنَّ الآيات أخبرت عن أنَّ الخصم قد دخلوا على داود، وأخبرت عن أنَّ داود قد فزع منهم، وأخبرت أنَّهم طمئنوه وعرضوا عليه خصومتهم، وأخبرت بجوابه لهم، وأخبرت أنَّ دواد(ع) أدرك بعد المحاورة التي وقعت وخطابه الذي أدلى به أنَّ الغاية مما وقع هو امتحانه فحين أدرك ذلك أخبرت الآيات أنَّه استغفر ربَّه، وأنَّه خرَّ راكعاً وأناب، وأخبرت الآياتُ أنَّ الله تعالى قد غفر له ما وقع منه، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ / إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ / إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ / قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ / فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾(2).
فسياق الآيات لا يدعُ مجالاً للشك في أنَّها بصدد الإخبار والحكاية لواقعةٍ حدثت لنبيِّ الله داود (ع) فهي تُخبر عن فزعِه من الخصوم، وعن تطمينهم له، وعن عرضهم لخصومتهم، وعن جوابه لهم قبل الاستماع لطرف الخصومة، وتُخبر الآياتُ عن إدراكه أنَّه قد فُتن بهذه القضية المعروضة، وتُخبر عن تصديِّه للاستغفار والتوبة والركوع لله تعالى، وتُخبر عن أنَّ الله تعالى قد غفَر له ما وقعَ منه، فكيف يستقيم كلُّ ذلك مع دعوى رمزيَّة الواقعة؟!
وأمَّا استبعاد غفلة داود عن أنَّه يتعيَّن التثبُّت والاستماع لأطراف الخصومة قبل البتِّ في فصلها فلا يصحُّ فقد يتفق للعالم العارف بأصول القضاء أن يُدلي بقوله قبل الاستماع للطرف الآخر لاطمئنانه بصوابية ما ذكره طرفُ الخصومة، فتصدَّت الآيات إلى أنَّه حتى في فرض الاطمئنان ينبغي الاستماع إلى الطرف الآخر، على أنَّ الآيات لا يظهر منها أنَّ داود (ع) قدَّ بتَّ في القضية، فأقصى ما يظهر منها أنَّه أبدى رأيه فيما ذكره الطرف الأول أي أنَّه أراد القول بأنَّه لو صحَّ ما ذكره الطرف الأول فذلك يُعدُّ من الظلم له، فهو بعدُ لم يحكم، ولم يفصل في الخصومة، فإنَّ فصل الخصومة يحتاج إلى الاستماع إلى الشهود وإقامة البينة والآيات لم تتصدَّ لبيان ذلك، فهي لم تتصدَّ لأكثر من الإخبار عمَّا يقع عادةً من التداعي بين الخصوم في محضر القاضي والقضاء، وأمَّا فصل الخصومة فهو إنَّما يأتي في مرحلةٍ لاحقة لذلك.
فالأمرُ الذي تُوجِّه إليه الآيات هو أنَّه ينبغي للقاضي حتى في مرحلة التداعي أنْ لا يُدلي برأيه، وأنَّ عليه الإصغاء للطرفين، فذلك وإنْ لم يكن لازماً ولكنَّه من الآداب التي يحسن الرعايةُ لها، فما فعله داود (ع) لم يكن مخالفاً لأصول القضاء وإنَّما هو مخالفٌ لما هو الأولى في الرعاية، ومثل ذلك قد يصدر من العارف بل ومن المعصوم أيضاً خصوصاً مع اطمئنانه -لأيِّ سببٍ - بصحة ما يقوله الخصم، وخصوصاً إذا وجد القاضي في ذلك فرصةً للوعظ كما في المقام لذلك تصدَّى للقول: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
على أنَّ طبيعة القضية المعروضة تقتضي استبعاد كذب الخصم فهو يُقرُّ أنَّ لأخيه تسعاً وتسعين نعجة، وليس له سوى نعجةٍ واحدة وأنَّ أخاه يطلب منه أن تكون تحت يده وفي سلطانه، فمثل هذه القضية يُستبعد فيها كذب الخصم، فلعلَّه لذلك بادرَ داود (ع) إلى القول: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾. ثم إنَّه التفت إلى أنَّه لولم يُبادر للتعليق على كلام الخصم لكان أولى. فلا موجب لاستبعاد صدور ذلك من داود (ع). ولا موجب لاستبعاد أنْ يتصدَّى الوحي لتأديب أنبيائه بأرفع الآداب، فهم إنَّما بلغوا المراتب العالية بتأديب الله تعالى لهم.
فهو قد هيَّأ داود لخلافته في الأرض لذلك خاطبَه بقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾(3).
فالآية تأمرُ داود (ع) بأنْ لا يتَّبع الهوى فيما يحكم به، فرغم أنَّه لا يخفى على مثل داود (ع) مساوئ اتباع الهوي في الحكم إلا أنَّ ذلك لم يمنع من تصدِّي الوحي إلى توصية داود (ع) بعدم إتباع الهوى في الحكم.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور
17 / شهر رمضان / 1446ه
18 / مارس / 2025م
1- سورة ص / 21.
2- سورة ص / 21-25.
3- سورة ص / 26.