قصَّةُ الغرانيق المزعومة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هي قصَّة الغرانيق وهل لها أصلٌ في الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) وما هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(1) وهل لهذه الآية ارتباط بقصة الغرايق؟

الجواب:

حاصل قصَّة الغرانيق المزعومة

حاصل قصَّة الغرانيق(2) المزعومة أنَّ النبيَّ الكريم (ص) كان يصلِّي بالمسلمين في المسجد الحرام بمكة الشريفة فقرأ سورة النجم فحين بلغ في قراءته قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى / وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾(3) ألقى الشيطان على لسانه هذه الفقرة: "تلك الغرانيقُ العلَى، وشفاعتُهنَّ لتُرتجَى" فجرتْ على لسانه وكان ذلك بمسمعٍ من المشركين ثم تابع تلاوته لبقية السورة، وحين أتمَّ تلاوتها سجد وسجد خلفه المسلمون، وكذلك سجد المشركون تعبيراً عن اغتباطهم لأنَّ النبيَّ (ص) قد أثنى على آلهتهم ووصفها بالغرانيق العلى وأقرَّ بما يؤمنون به من أنَّ شفاعة هذه الآلهة تُرتجى، ولذلك سجدوا بسجوده وراج فيما بينهم بل وفي عموم أرجاء مكة أنَّ النبيَّ الكريم (ص) قد رجع إلى دين قومِه وصار إلى مدحها وتعظيمها والثناء عليها بعد أن كان يشتمُها ويحكم بأنَّها باطلة.

قيل فنزل جبرئيل على النبيِّ (ص) وقال له: اعرض عليَّ ما جئتُك به من سورة النجم فأخذ النبيُّ (ص) في تلاوتها فحين بلغ في تلاوتها قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ قرأ النبيُّ (ص): "تلك الغرانيقُ العلَى، وشفاعتُهنَّ لتُرتجَى" قال جبرئيل للنبيِّ (ص): "ما أتيتُك بهذا، هذا من الشيطان" أو قال له: "هذا من الشَّيطانِ، لم آتِك بها" أو قال له: "معاذ اللهِ أن أكونَ أقرأْتُك هذا" فاشتدَّ ذلك على النبيِّ (ص) وقال: "افتريتُ على اللهِ، وقلتُ ما لم يَقُلْ" فما زال مغمومًا مهمومًا حتَّى نزل عليه قوله تعالى لتسليته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

وقيل إنَّه قرأ سورة النجم في نادٍ من أندية قريش وليس في الصلاة، وكان يتمنَّى أنْ ينزل عليه ما يتألَّف به قلوبَ المشركين، وكانوا قد طلبوا منه أنْ يذكر آلهتهم بخير ليجلسوا إليه ويستمعوا إلى حديثه، فكان منه أن قرأ عليهم سورة النجم، فحين بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ألقى الشيطانُ على لسانه هذه الفقرة: "تلكَ الغَرانيقُ العُلَى وإنَّ شفاعتَهُنَّ لتُرتَجى" أو لترتضى، ثم تابع التلاوة لبقية السورة فلمَّا أتمَّها سجدَ وسجَدَ معه كافَّةُ المشركين -ممَّن كان حاضراً- اغتباطاً بما سمعوه من ثناءٍ وتعظيمٍ لآلهتهم.

ثم إنَّ النبيَّ (ص) -بزعمهم- لم يلتفتْ إلى أنَّ الفقرة المذكورة التي عظَّم فيها- بزعمِهم- آلهةَ المشركين كانت من إلقاء الشيطان إلى أنْ نزل عليه جبرئيل ليلاً وأخبره أنَّ ذلك من إلقاء الشيطان فاغتمَّ لذلك فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية لتسليته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾"(4).

وقيل إنَّ معنى التمنِّي في الآية هو التلاوة فالمراد -بناءً على ذلك- من قوله تعالى: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ هو أنَّ الرسول إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ما ليس من كلام الله ثم إنَّ الله بعد ذلك ينسخ ما يُلقيه الشيطانُ ويُبطله ثم يُحكِم آياته.

لم ترد قصَّة الغرانيق في شيء من طرق أهل البيت (ع)

هذا هو حاصل الروايات التي تصدَّت لبيان قصَّة الغرانيق المزعومة والتي تفاوتت إجمالاً وتفصيلاً، ولم يرد شيءٌ منها في طرقنا عن أهل البيت (ع) فجميعها ورد من طريق العامَّة، ولم تُنقل عندهم عن أحدٍ من الصحابة سوى عبد الله ابن عباس والذي كان مولده في السنة العاشرة من المبعثِ النبويِّ الشريف، فهو لم يُدرك الوقت الذي قيل إنَّها وقعت فيه، ولم يدَّع من نسب روايتها إليه أنَّه أسندها إلى أحد ممَّن شهد الواقعة أو أدرك زمنها، على أنَّ روايته لها لم تثبت بطريقٍ معتبر، وأمَّا رواة قصَّة الغرانيق فيما عدا ما نُسب لابن عباس فكانوا من التابعين الذين لم يُدركوا عصر النبوَّة ولم ينقلوها عن أحدٍ ممَّن أدرك عصرَ النبوَّة، ولهذا فأكثرها كانت مراسيل مضافاً إلى أنَّ الطرق إليهم لا تخلو من مجاهيل أو متَّهمين بالوضع والكذب أو بالزندقة.

قصَّة الغرانيق مكذوبة لمنافاتها لأصلٍ من أصول العقيدة:

وعلى أيِّ تقدير فالمتسالَم عليه بين علماء الإماميَّة هو أنَّ قصَّة الغرانيق باطلة ومكذوبة، وكذلك فإنَّ أكثر علماء العامَّة يذهبون إلى أنَّ قصَّة الغرانيق مكذوبة(5) وبقطع النظر عن ذلك فإنَّه يكفي للبناء على بطلان قصَّة الغرانيق والجزم بكذبها أنَّها منافية لأصلٍ من أصول العقيدة وهي عصمة النبيِّ الكريم (ص) بل هي منافية للقدر المتيقن المتوافَق عليه بين المسلمين من عصمة النبيِّ الكريم (ص) فمَن جوَّز من أبناء العامَّة على النبيِّ (ص) السهوَ والخطأ جوَّزه عليه في شؤونِه الخاصَّة وأمّا في تلقِّي الوحي وتبليغه فلا يرتابُ من أحدٍ من المسلمين في أنَّ الله تعالى قد عصمَه عن الوقوع في الخطأ أو السهو، ولهذا يتعيَّن الجزم ببطلان قصَّة الغرانيق، لأنَّ مقتضاها وقوع النبيِّ (ص) في الخطأ عند تلقِّي الوحي بالقرآن وعند تبليغه، فتوَّهم أنَّ ما ليس بقرآنٍ أنَّه قرآن، وأدَّى للناس ما ليس بقرآنٍ على أنَّه قرآن، فلو صحَّ ذلك لانهدمَ أساسُ الدين، لأنَّه إذا جاز عليه الخطأ والاشتباه في موردٍ جاز صدور ذلك عنه في سائر الموارد، وبذلك لا يحصل الأمن والوثوق بشيءٍ ممَّا قال أنَّه قرآن، وذلك لاحتمال أنَّه من إلقاء الشيطان وهو يحسبُ أنَّه من عند الله تعالى ولا أقلَّ من احتمال أنَّ ثمة آياتٍ مبثوثة في القرآن وهي ليست من القرآن واقعاً وإنَّما هي من إلقاء الشيطان، وبذلك ينتفي الوثوق والاطمئنان بأنَّ ما بين الدفتين كلَّه دون استثناء من عند الله جلَّ علا.

قصَّة الغرانيق غير قابلةٍ للتصديق في نفسِها:

ولهذا تمسَّك المستشرقون بروايات قصَّة الغرانيق وعملوا على ترويجها وتوظيفها لإثبات دعوى أنَّه لا يُمكن الوثوق بما صدر عن النبيِّ محمَّدٍ (ص) من أحكامٍ ومعارف دينيَّة، وذلك لاحتمال أنَّه قد تلقَّاه عن الشيطان وهو يعتقدُ أنَّه قد تلقَّاه عن الله جلَّ وعلا.

وقد تعمَّد هؤلاء المستشرقون استغفال قرائهم وذلك لعلمهم ويقينهم بأنَّ مستندهم فيما زعموه لا يعدو رواياتٍ واهية وفاقدة لشرائط الاعتبار على أنَّها غير قابلةٍ للتصديق في نفسها، فهي تدلُّ بنفسِها على أنَّها مكذوبة دون الحاجة إلى مراجعة أسانيدها.

وبيان ذلك:

أولاً: هو أنَّ روايات الغرانيق تذكرُ أنَّ النبيَّ (ص) -في محضر المشركين ومسمعِهم- أخذ في تلاوة سورة النجم من بدايتها إلى أنْ بلغ في تلاوته إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى / وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فعندها ألقى الشيطان -بزعمهم- على لسانه فقرة: "تلكَ الغَرانيقُ العُلَى وإنَّ شفاعتَهُنَّ لتُرتَجى" ثم تابع النبيُّ (ص) التلاوة لبقية السورة وبعد أنْ أتمَّها سجدَ وسجدَ بسجوده المشركون، وذلك لأنَّه سرَّهم ثناءُ النبيِّ (ص) على آلهتهم وتعظيمُه لها، وهو غير قابلٍ للتصديق وذلك لأنَّ المشركين -بحسب روايات الغرانيق على اختلافها- قد استمعوا لكامل السورة من النبيِّ (ص) والآيات التي تلت قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى / وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ واضحة في ذمِّ آلهتهم والتسفيه للاعتقاد بها وعدِّ الاعتقاد بها من اتِّباع الظنِّ الذي لا يُغني من الحقِّ شيئاً، وأنَّه لا سلطانَ ولا برهانَ لهم على ما يزعمونه سوى الانسياق وراء الأهواء والأماني، ثم خاطبت الآياتُ الرسولَ الكريم (ص) وأمرتْه بالإعراض عن المشركين وأفادت أنَّ باعثَهم على الجحود هو التشبُّث بالحياة الدنيا وأنَّ ذلك هو مبلغُهم من العلم يعني أنَّ ذلك هو أقصى ما يعلمونه، فهي بذلك تصفُهم بالجهل، ثم وصفتهم بعده بالضلال عن سبيل الله جلَّ وعلا، وتوعَّدتهم بالجزاء على سيء ما عملوا، فهذا هو مفاد الآيات التي تلَتْ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى / وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فهي شديدةُ الوضوح في الذمِّ لآلهة المشركين والتقريع لهم والتسخيف لمعتقداتهم، وقد استمعوا لها وهم عربٌ أقحاح يفهمون معاريض الكلام فضلاً عن صريحه فكيف يُدَّعى أنَّهم اغتبطوا وابتهجوا بما سمعوا فدفعهم ذلك للسجود تعبيراً عن اغتباطهم وسرورهم والحال أنَّه لا يسمعُ من أحدٍ بهذه الآيات إلا ويُدرك أنَّها مسوقةٌ للذمِّ والتقريع، وأمَّا توسُّط فقرة الغرانيق فهي لا تنفي وضوح الآيات بعدها في الذمِّ، ولهذا فمقتضى كونهم عقلاء وفصحاء إدراك أنَّ بين فقرة الغرانيق والآيات التي بعدها تهافت بيِّن، وذلك يسترعي منهم الاستغراب واحتمال أنّه لم يقصد آلهتهم من المدح بالغرانيق وهو ما سوف يدفعُهم لسؤال النبيِّ (ص) عن هذا التهافت وعمَّن كان يقصد بالمدح والذم قبل أنْ يستبشروا ويُبادروا للسجود تعبيراً عن ابتهاجهم، فمبادرتُهم للسجود وتعبيرهم عن الاغتباط والسرور بما سمعوه رغم أنَّ أكثره كان ذمَّاً لهم ولمعبوداتهم يكشفُ عن أنَّ مختلِقَ قصَّة الغرانيق لم يُحسِنْ حبكها وأنَّه دلَّل بحماقته وخفَّة عقله على كذبِها. ولهذا لا نحتاج للوقوف على كذب قصَّة الغرانيق إلى أكثر من النظر في متنها.

وثانياً: إنَّ قصَّة الغرانيق تذكرُ أنَّ النبيَّ (ص) قرأ فيما قرأ من سورة النجم فقرة الغرانيق ثم لم يتنبَّه إلى مباينة مدلولها للآيات بعدها وظلَّ كذلك غير ملتفتٍ إلى أنَّ هذه الفقرة متضمِّنة للكفر الصريح -الذي طالما حاربه- إلى أنْ نزل عليه جبرئيل ليلاً وأخبره بأنَّ هذه الفقرة ليست من آيات السورة، فهل مثل ذلك قابلٌ للتصديق؟! فلو فرضنا- والعياذ بالله أنَّ محمَّداً (ص) لم يكن نبيَّاً فهو عربيٌّ فصيح اللِّسان بل هو خيرُ مًن نطقَ بالضاد، وهو عاقل يُميِّز بين الكلام المتناسب والكلام المتناقض، فكيف لم يلتفتْ إلى التهافت بين فقرة الغرانيق وبين الآيات التي بعدها؟! بل وبين مجمل ما نزل عليه من قرآن قبلها؟! ولو قيل إنَّ فقرة الغرانيق جرتْ على لسانه دون أنْ يلتفت قلنا إنَّ ذلك غير ممكن فإنَّ استبشار المشركين إنَّما كان بهذه الفقرة، فلو لم يلتفت لها أثناء القراءة فإنَّه سيلتفت لها بعد إتمام السورة ومشاهدته لردَّة الفعل التي أبداها المشركون، على أنَّ روايات قصَّة الغرانيق تذكر أنَّ النبيَّ (ص) قرأ فقرة الغرانيق على جبرئيل حين استقرأه إيَّاها دون أنْ يلتفت إلى تناقضها مع الآيات بعدها، ولم يلتفت أنَّ مفادها الكفر الذي كان يُحاربه، فهو لم يلتفت لذلك إلى أنْ بيَّن له جبرئيل أنَّها ليست من القرآن!!. فهل يُمكن التصديق بذلك؟!

قصَّة الغرانيق رغم كذبها لا ينتفع بها المستشرقون:

وعلى أيِّ تقدير فإنَّ المستشرقين لا ينتفعون بروايات قصَّة الغرانيق لإثبات دعواهم عدم إمكان الوثوق بما يصدر عن النبيِّ (ص) لاحتمال أنَّ بعض ما جاء به من إلقاء الشيطان فإنَّ روايات قصَّة الغرانيق وإن كانت تقتضي عدم عصمة النبيِّ (ص) الذاتيَّة عن السهو والخطأ ولكنَّها اشتملت على الإقرار بعصمة النبيِّ (ص) من طريق تصدِّي جبريل لتسديده كلَّما نسي أو أخطأ، وعليه لا يتطرَّق الشك في شيءٍ ممَّا استقرَّ من آياتِ القرآن، فمؤدَّى روايات الغرانيق أنَّ النبيَّ (ص) قد يسهو ويُخطِأ فيحسب ما ليس من القرآن أنَّه من القرآن ولكنَّ ذلك قبل أن يهبط عليه جبرئيل فيسدِّدُه، فروايات الغرانيق التي يتمسَّك بها المستشرقون تنصُّ على أنَّ جبرئيل قد بادر في وقتٍ قريب إلى النزول على الرسول (ص) لتنبيهه على ما وقع فيه من خطأ في تلاوته، ثم اشتملت -روايات الغرانيق- على أنَّ جبرئيل نزل على النبيِّ (ص) بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ومفادها -بحسب روايات الغرانيق- أنَّ النبيَّ (ص) إذا ألقى الشيطان في تلاوته فإنَّ الله تعالى ينسخ ويبطل -ولو من طريق جبرئيل- ما يُلقي الشيطان ثم يُحكم الله آياته ويصونها ممَّا ليس منها. وعليه فرواياتُ الغرانيق رغم أنَّها مكذوبة فإنَّها لا تنفعُ المستشرقين في إثبات مزاعمهم. فالقرآن مصون في المآل عن الاشتمال على ما ليس من عند الله حتى مع القبول بروايات الغرانيق.

والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّ روايات قصَّة الغرانيق مكذوبة دون ريبٍ لمنافاتها مع الأدلَّة القطعيَّة على عصمة النبيِّ الكريم (ص) ولكونِها غيرَ قابلةٍ للتصديق في نفسِها كما بيَّنا، ولأنَّ مقتضاها نسبة الجهل للنبيِّ (ص) بكون التعظيم للأصنام من الكفر الصريح، فهو لم يُدرك ذلك -بحسب روايات الغرانيق- إلا بعد أن نبَّهه جبرئيل (ع) وهو أمرٌ غيرُ قابل للتصديق، إذ كيف خفيَ عليه ما كان بصدد المحاربة له منذُ أنْ صدع بالدعوة إلى التوحيد ونبذِ الشرك وعبادة الأصنام والأوثان، وكان قد دأبَ على الجأر والتأكيد بأنَّها جمادٌ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا تسمع ولا تُبصِر ولا تُغني عن أحدٍ بل ولا عن نفسِها شيئاً وأنَّ حجارتها ستكون يوم القيامة وقوداً لجهنَّم، فكيف يستقيمُ ذلك مع وصفِه لها بالغرانيق العُلى فيُعلِي من شأنِها ويقول إنَّ شفاعتها تُرتجى وتُرتضى دون أنْ يُدرك أنَّ ذلك مناقضٌ لمجمل ما كان يذكره ويُبيِّنه ويدعو إليه؟! إنَّ ذلك وحده كافٍ للإذعان بأنَّ قصَّة الغرانيق فِريةٌ شنيعة ومفضوحة وأنَّ مُختلقِها مخذولٌ لم يُحسن حبْكها، ورغم كونها كذلك فإنَّها لا تصلحُ لإثبات مزاعم المستشرقين كما بيَّنا ذلك.

آية التمنِّي من سورة الحج أجنبيَّة عن قصَّة الغرانيق:

بقيَ الكلام حول بيان المراد من الآية من سورة الحجِّ التي ادُّعيَ نزولها في سياق قصَّة الغرانيق وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

فكلمة التمنِّي تُستعمل في معنيين:

المعنى الأول: رغبة النفس في نيل المحبوب، كالرغبة في الغنى والعافية، فالتمنِّي هو استحضار النفس للمرغوب والانجذاب إليه، وصورة المرغوب في النفس تُسمَّى أمنيَّة، وقد استعمل القرآن كلمة التمنِّي في هذا المعنى في مواضع عديدة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾(6) يعني وأصبح الذين رغبوا في أنْ يكون لهم ما لقارون من الغنى الثراء، ومنها قوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى / فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾(7) يعني أم للإنسان ما رغِب فيه واشتاقت نفسُه إلى نيله، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ / وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾(8) يعني إنْ كنتم صادقين في دعواكم فارغبوا في الموت ولتستشعِر قلوبُكم الشوقَ والانجذاب للموت، ثم أفادت الآية اللاحقة أنَّهم لن يتمنَّوه أي لن يرغبوا أبداً في الموت لعدم صدقِهم ولسيئ أعمالهم.

وبناءً على هذا المعنى لكلمة التمنِّي يكون مفاد الآية هو أنَّ عامَّة الرسل والأنبياء الذين بُعثوا قبلك كان كلٌّ منهم يتمنَّى ويرغبُ أنْ تستقيم له الأمور وتتهيأ له الأسباب الباعثة على هداية الناس وإقبالهم على دين الله وانقيادهم لمراشدِه وأحكامه، فكان كلٌّ منهم إذا سعى وعمل على تحصيل هذا المرغوب ألقى الشيطان في امنيَّته ما يُفسدُ على النبيِّ سعيه في بلوغ امنيته، فإلقاء الشيطان يعنى تدخُّله الرامي إلى المنع من نيل النبيِّ لأمنيَّته في هداية الناس وإصلاح شؤونهم، فإلقاء الشيطان يكون بالوسوسة للناس ليمنعهم من الاستجابة للنبيِّ، ويكون بإثارة الشبهات والتزيين للباطل والتحسين للقبيح، ويكون بإغراء الفاسقين والمترفين لمقارعة دعوات الأنبياء فيخلقُ بذلك العقبات والعوائق في وجه النبيِّ ليمنعه من نيل امنيته، فذلك هو معنى إلقاء الشيطان في امنية النبي، ثم أفادت الآية أنَّ الله تعالى سينسخ ما يُلقي الشيطان يعني أنَّه في المآل سيُبطل سعي الشيطان ويزيل أثر مكره وبغيه، وذلك بإظهار دينه والانتصار لأنبيائه كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(9).

فإلقاءُ الشيطان في امنيَّة النبيِّ يعني تدخُّله في طريق ما يتمنَّاه النبيُّ من الهداية للناس وذلك بإلقاء الشبهات والوساوس والتسويلات وإغراء الفاسقين والمفسدين ليحولوا دون بلوغ النبيِّ لغايته ورغبته في هداية الناس، فذلك هو معنى إلقاء الشيطان في امنية النبي، ويُؤيِّد ذلك الآية التي تلتْ هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ فإنَّ مؤدَّى هذه الآية هو سعي الشيطان بالإغواء وإلقاء الشبهات والعقبات في طريق ما يسعى إليه الأنبياء، فذلك هو ما يكون به الافتتان.

المعنى الثاني: لكلمة التمنِّي هو التلاوة، يُقال تمنَّى الكتاب أي قرأه وتلاه، ومِن ذلك قول الشاعر:

تمنَّى كتابَ الله أولَ ليلِه ** وآخره لاقى حمامَ المقادر(10)

أي تلا كتاب الله وقرأه في أولِ الليل وفي آخرِه لقيَ حذفَه.

وبناءً عليه يكون مفاد الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مفادُها أنَّ عامَّة الرسل والأنبياء الذين بُعثوا قبلك كان كلٌّ منهم إذا تلا ما أنزله الله عليه من آيات وقرأها على الناس انبرى الشيطان لإلقاء الشبهات المضلَّة على الناس وعمل جاهداً على إغوائهم وعلى إغراء الفاسقين والمفسدين وتجنيدهم لمنابذة النبيِّ ومعارضته، فيُبطل اللهُ سعيَ الشيطان ويَدحض حججَه وأضاليله وينتصرُ في المآل لنبيِّه، فإلقاء الشيطان في امنية النبيِّ معناه الإلقاء في طريق ما يتلوه النبيُّ من آيات الله بُغيةَ الإغواء والتضليل، ومعنى النسخ لما يُلقيه الشيطان هو الإبطال لعملِه بإقامة الحجج النيِّرة والبراهين الساطعة: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾(11).

والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّ الآية من سورة الحج أجنبيةٌ عن قصَّة الغرانيق، فهي بصدد التعريف بواقع الصراع بين الأنبياء وبين الشيطان وجنوده، والتبشير بأنَّ عاقبة سعي الشيطان -وما يُلقيه في طريق الأنبياء من عوائق وعقبات- هي الخيبة فكلُّ جهوده وإنْ تعاظمت ستذهبُ سُدى، ويبطل أثرُها، وهذا هو معنى النسخ لما يُلقيه الشيطان، ومعنى قوله تعالى: ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ هو أنَّه تعالى يُجلِّي آياته ودلائله وبراهينه فتُصبح ظاهرةً بيِّنة، فآياتُ الله تعالى ودلائلُه وبراهينُه وإنْ كانت ظاهرةً وبيِّنةً في نفسِها إلا أنَّ ما يُلقيه الشيطانُ من شبهاتٍ وضلالات يُنتج التشويشَ والتغبيشَ على آياتِ الله لدى الضعفاء من الناس فلا يستبينونها، فإذا نسخ اللهُ تعالى ما يُلقيه الشيطان -ولو من طريقِ أنبيائه وأوليائه وجهاد الصالحين من عباده -انتفى ما يمنعُ من استبانتها وسطوع دلالتها واستقرار أثرها في النفوس، وهذا هو معنى الإحكام لآيات الله- ظاهراً- فالآيةُ المُحكمة هي البيِّنة التي لا يعتريها غموضٌ ولا يشوبُها ما يقتضي الشك لدى المتلقِّي لها.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

27 / صفر / 1447ه

22 / أغسطس / 2025م

 


1- سورة الحج / 52.

2- المقصود من الغرانيق هنا هي الأصنام وهي في الأصل -كما قيل- تستعمل في طيور الماء البيضاء ذات العنق الطويل، وقيل إنَّها تُستعمل في مطلق الطيور البيضاء وإن لم تكن من طبور الماء، وواحد الغرانيق غرنوق وغرنيق، فيُقال للطير الأبيض غرنوق وغرنيق وقد يستعمل هذا اللفظ وصفاً للشاب الناعم الأبيض أو الشاب الطري الجميل الممتلئ ريَّاً، وقد يوصف به مطلق الشيء الحسن الجميل، فالمشركون يعتقدون باطلاً أنَّ الأصنام تقربهم من الله تعالى وتشفع لهم عنده لذلك كانوا -كما قيل- يصفونهم بالغرانيق تشبيهاً لها بالطيور البيضاء التي تعلو في السماء أو يصفون أصنامهم بالغرانيق للتعبير عن حسنها وجمالها بنظرهم.

3- سورة النجم / 19-20.

 4- لاحظ مثلا: جامع البيان عن تأويل آي القرآن -ابن جرير الطبري- ج17 / ص244، أسباب النزول -الواحدي النيسابوري- ص209، الدر المنثور في التفسير بالمأثور -جلال الدين السيوطي- ج4 / ص366، تخريج الأحاديث والآثار-الزيعلي- ج2 / ص391.

5- لاحظ مثلاً ما ذكره أبو حيان الأندلسي في تفسير البحر المحيط قال: "سئل عنها -قصة الغرانيق- الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتاباً. وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وقال ما معناه: إن رواتها مطعون عليهم وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثية شيء مما ذكروه فوجب اطّراحه 

6- سورة القصص / 82.

7- سورة النجم / 24-25

8- سورة البقرة / 94-95.

9- سورة المجادلة / 21.

10- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج7 / ص163، زاد المسير في علم التفسير -ابن الجوزي- ج5 / ص303.

11- سورة الأنفال / 42.