﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ..﴾ مناقشة لدعوى سبب النزول
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
قوله تعالى من سورة الأنفال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ / لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(1) هل صحَّ أنَّ الآيتين نزلتا في عتاب النبيِّ (ص) ومَن معه من المؤمنين، لأنَّه لم يقتل الأسرى يوم بدر بل قَبِل باستبقائهم وأخْذِ الفداءِ منهم مقابل إطلاق سراحهم؟
الجواب:
سبب النزول لدى مشهور العامَّة:
الآيتان من سورة الأنفال نزلتا بعد معركة بدرٍ الكبرى والتي انتصر فيها الرسولُ الكريم (ص) ومَن معه مِن المسلمين على مشركي قريش، وهذا المقدار لم يقع مورداً للخلاف بين المفسِّرين والمحدِّثين من الفريقين إنَّما الخلاف في مدلول الآيتين ومنشأ نزولهما، والذي عليه المشهور من علماء ومفسِّري العامَّة أنَّ الآيتين نزلتا بعد أنْ اتَّخذ الرسول (ص) قرار القبول بأخذ الفدية من الأسرى مقابل استبقائهم وإطلاق سراحهم، وكان قد اتَّخذ هذا القرار -بحسب دعواهم- بعد أنْ استشار المسلمين في ذلك، فأشار عليه أكثرُهم أو كانت رغبة أكثرهم القبول بأخذ الفدية، وأشار عليه عمر بن الخطاب دون غيره بقتلهم جميعاً، وقيل أشار عليه كذلك بما يقرب من هذه المشورة عبد الله بن رواحة إلا أنَّ الرسول (ص) كان يميل إلى الرأي الأول، ولذلك اتَّخذ قرار القبول بالفدية من الأسرى وهي أربعة آلاف درهم عن كلِّ أسير، وقيل أقل وقيل أكثر وقيل كان متفاوتاً(2) وكان عدد الأسرى -بحسب ما هو المعروف- سبعين أسيراً.
وبعد قبول الرسول (ص) بأخذ الفدية من الأسرى نزلت الآيتان تُعاتِبُ الرسولَ (ص) ومَن معه من المسلمين -بحسب زعمِهم- لقبولهم بالفدية طمعاً في عرض الحياة الدنيا، وكان عليهم قتلُ الأسرى جميعاً، وذلك لأنَّه لا يسوغُ استبقاء أسرى المشركين قبل أنْ تقوى شوكةُ المسلمين ويتمكَّنوا من بسط سلطانهم على الأرض، فهذا -بحسب رأيهم- هو مفادُ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ..﴾.
وبهذا نزلتْ الآيتان بتخطئة الرسول (ص) ومَن معه من المسلمين فيما اتَّخذوه من قرار بشأنِ أسرى بدر، وفي ذات الوقت كشفت الآيتان عن صواب الرأي الذي أشار به عمر على الرسول (ص) ولهذا ورد أنَّه لو نزل عذابٌ من السماء على المسلمين بعد قرار أخذ الفدية لما نجا منه إلا عمر.
هذا حاصل ما أوردته رواياتُ العامَّة في شأن نزول الآيتين ونقتصرُ في المقام على نقل بعضِها رعايةً للاختصار:
الرواية الأولى: أوردها الواحدي النيسابوري في كتابه أسباب النزول بسنده عن ابن عباس قال: حدَّثني عمر بن الخطاب قال: لمَّا كان يوم بدر والتقوا فهزمَ اللهُ المشركين وقُتلَ منهم سبعون رجلاً وأُسر سبعون رجلاً، استشار رسولُ الله (ص) أبا بكر وعمر وعليَّاً، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة والاخوان، وإنِّي أرى أنْ تأخذَ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوَّةً لنا على الكفَّار، وعسى أنْ يهديَهم اللهُ فيكونوا لنا عضداً، فقال رسولُ الله (ص): ما ترى يا ابن الخطاب، قال: قلتُ والله ما أرى ما رأَى أبو بكر ولكنْ أنْ تمكنني من فلان قريبٍ لعمر فأضربُ عنقَه، وتمكِّن عليَّاً من عقيلٍ فيضربُ عنقَه، وتُمكِّن حمزةَ من فلانٍ أخيه فيضربُ عنقَه حتى يعلمَ اللهُ عزَّوجلَّ أنَّه ليس في قلوبنا موادَّةٌ للمشركين، هؤلاءِ صناديدهم وأئمتُهم وقادتُهم، فهوى رسولُ الله (ص) ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، فأخذَ منهم الفداء، فلمَّا كان من الغد قال عمر: غدوتُ إلى النبيِّ (ص) فإذا هو قاعدٌ وأبو بكر الصديق، وإذا هما يبكيان فقلتُ: يا رسولَ الله أخبرني ماذا يُبكيك أنتَ وصاحبُك، فإنْ وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإنْ لم أجدْ بكاءً تباكيتُ، فقال النبيُّ(ص): أبكي للذي عُرض على أصحابك من الفداء، لقد عُرض عليَّ عذابُكم أدنى من هذه الشجرة لشجرةٍ قريبة، وأنزل اللهُ عزَّوجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ (من الفداء) عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ رواه مسلم في الصحيح عن هناد بن السرى، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عمارة"(3).
الرواية الثانية: رواها أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك قال: استشار رسولُ الله (ص) الناس في الأسارى يوم بدر فقال: إنَّ الله عزَّوجلَّ قد أمكنكم منهم قال: فقام عمرُ بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضربْ أعناقَهم، قال: فاعرضَ عنه النبيُّ (ص) قال: ثم عاد رسولُ الله (ص) فقال: يا أيُّها الناس إنَّ الله قد أمكَنكم منهم وإنَّما هم إخوانُكم بالأمس، قال: فقام عمرُ فقال: يا رسول الله اضربْ أعناقَهم فاعرضَ عنه النبيُّ (ص) قال: ثم عاد النبيُّ(ص) فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسولَ الله نرى أنْ تعفو عنهم وتقبلَ منهم الفداء، قال: فذهبَ عن وجهِ رسول الله (ص) ما كان فيه الغم، قال فعفا عنهم، وقبِل منهم الفداء، وأنزل الله عزَّوجلَّ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية"(4).
الرواية الثالثة: أوردها الطبري في جامع البيان بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: "لمَّا كان يوم بدر وجئ بالأسرى، قال رسولُ الله ( ص ): ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومُك وأهلُك، استبقِهم واستأنِ بهم، لعلَّ اللهَ أنْ يتوبَ عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذَّبوك وأخرجوك، قدِّمهم فاضربْ أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلْهم فيه، ثم أضرمه عليهم ناراً .. قال: فسكتَ رسولُ الله (ص) فلم يُجبهم، ثم دخل فقال ناسٌ: يأخذُ بقول أبي بكر، وقال ناسٌ: يأخذُ بقول عمر، وقال ناسٌ: يأخذُ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله (ص) فقال .. قال رسولُ الله (ص): أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتنَّ أحدٌ منهم إلا بفداءٍ أو ضربِ عنق .. قال: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ .. (إلى آخر الثلاث الآيات)﴾"(5).
مؤدَّى الروايات المذكورة:
والواضح من هذه الروايات وكذلك غيرها أنَّ الآيتين نزلتا في تخطئة الرسول الكريم (ص) فيما اتَّخذه من قرار القبول بأخذ الفدية من أسرى المشركين، وكان عليه أنْ يأمر بضرب أعناقهم جميعاً وأنْ لا يقبل بأخذ الفدية منهم. ولهذا فسَّروا قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أنَّه لا يسوغ لنبيٍّ من الأنبياء أنْ يستبقيَ أسيراً على قيد الحياة إلى أنْ تقوى شوكتُه، ويتمكَّنَ سلطانُه من الأرض، وأمَّا قبل ذلك فيجب عليه قتل الأسرى، ولا يسوغُ له استبقاؤهم وأخذُ الفدية منهم طمعاً في عرض الحياة الدنيا.
وأمَّا الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فأفادت -بحسب رأيهم- أنَّه لولا أنَّ الله تعالى قد كتب على نفسِه أنْ لا يعذبَهم لكان قد أوقعَ فيهم عذاباً عظيماً لأخذهِم الفدية من أسرى المشركين.
الروايات مكذوبة لمنافاتها للقرآن وأصلٍ من أصول العقيدة:
إلا أنَّ الروايات التي استندوا إليها في تفسير الآيتين مكذوبةٌ دون ريب، وذلك لمنافاتها لأصلٍ من أصول العقيدة وهي عصمة النبيِّ الكريم (ص) عن الخطأ فيما يتَّخذه من قرار، ثم إنَّ الواضح من الروايات المذكورة أنَّ الرسول (ص) اتَّخذ قرار أخذ الفدية دون أن يستأمر في ذلك ربَّه، وهو منافٍ لصريح القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾(6) فليس من فعلٍ أو قرارٍ يتَّخذُه الرسول (ص) إلا وهو مستندُ إلى الوحي عن الله تعالى خصوصاً فيما يتَّصل بشؤون الدعوة، ثم إنَّ قرار أخذ الفدية نشأ بحسب هذا التفسير المستنِد على الروايات المذكورة على الطمع في عرض الحياة الدنيا كما قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ يعني أنَّ الباعث للنبيِّ (ص) على اتِّخاذ هذا القرار متمحِّضٌ في الهوى والرغبة في حطام الدنيا، وهي إساءةٌ شنيعةٌ للرسول الكريم (ص) مضافاً إلى مناقضة ذلك لصريح القرآن والذي نزَّه الرسولَ الكريمَ (ص) عن اتباع الهوى في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى / إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾(7).
ودعوى أنَّ قوله تعالى:﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ لا تشملُ الرسول (ص) لا تصحُّ بناءً على التفسير المذكور، فإنَّ الذي اتَّخذ قرار أخذ الفدية إنَّما هو الرسول (ص) بل إنَّ اللَّوم والذمَّ إذا كان متَّجهاً لأحدٍ فهو متَّجهٌ للرسول (ص) خاصَّة أو له بالدرجة الأولى، فالمسلمون بحسب الروايات وإنْ كانت رغبتهم في أخذ الفدية لكنَّها رغبة الرسول (ص) أيضاً بحسب الروايات على أنَّ شأن المسلمين لم يكن يعدو الرغبة والمشورة، والقرارُ إنَّما كان بيدِ الرسولِ (ص) فهو بحسب الروايات مَن اتَّخذ قرارَ الأخذ للفدية، لذلك يكون قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ متَّجهاً إليه حصراً أو أنَّه أولى المسلمين -بمقتضى زعمِهم- بهذا اللَّوم وهذا الذم، ويُؤكد ذلك ما ورد في رواياتهم أنَّ العذاب كان قريباً منه ومن المسلمين ولو نزل العذاب لما نجا منه إلا عمر(8).
ثم إنَّ لحن الآيتين خصوصاً الثانية ليس هو العتاب بل هو الذمُّ والتقريع، فمفاد الآية الثانية هو استحقاقُهم للعذاب العظيم لولا أنَّ الله تعالى قد كتب على نفسِه أن لا يُعذبهم، وعليه فالرسول الكريم (ص) بحسب هذا التفسير المستنِد إلى الروايات المذكورة مستحِقٌ -والعياذ بالله- للعذاب العظيم، وهو أمرٌ شنيع وفظيع: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾(9).
ولهذا يتعيَّن طرحُ هذه الروايات، والبناءُ على فساد التفسير للآيتين المستنِد إليها، وملاحظةُ ما يظهرُ من الآيتين بقطعِ النظر عن هذه الروايات المكذوبة.
ما يظهرُ جلياً من مدلول الآيتين:
وحين تُلاحَظ الآيتان بقطع النظر عن الروايات المذكورة نجدهما ظاهرتين في غير المعنى الذي تمَّ استظهارُه استناداً إلى الروايات المذكورة، فالخطابُ في الآيتين موجَّه للمسلمين، وحيث إنَّهما نزلتا بعد معركة بدر فهي تُخاطب من خاض هذه المعركة من المسلمين وتُعاتبُ منهم مَن قام بأسر المشركين، فكان عليهم أنْ لا يأسروا أحداً من المشركين بل يقاتلونهم فمَن تمكَّنوا منه أثناءَ القتال قتلوه لا أنْ يعملوا على أسرِه لكي يحظوا بفدائه بعد ذلك.
فالآية الأولى تُخاطبُ المسلمين بأنَّكم تقاتلون تحت رايةِ نبيٍّ، والأنبياءُ إذا خاضوا معركةً -دفاعاً عن الدين وإعلاءً لكلمة الله- لا يستهدفون مِن قتالهم أسرَ أحدٍ من أعداء الدين حرصاً على تحصيل الفداء بل يستهدفون تصفيةَ كلِّ من يعتدي عليهم ويقفُ عائقاً دون بسط الدين في الأرض، فإذا تمكنوا من الإثخان وبسط دين الله في الأرض فحينذاك لا محذور من الأسر للأعداء، وأمَّا قبل الإثخان وتمكُّن الدين من بسط سلطانه فلا يصحُّ مِن أتباع الأنبياء الأسرُ لأعداء الدين في المعارك التي يخوضونها.
فالآيةُ سيقت لمعاتبة أو تقريع المسلمين لقيامهم بأسرِ سبعينَ من صناديد قريش رغم تمكُّنهم من قتلِهم والاستراحة مِن بغيهم وعدوانهم، والآيةُ سيقت لمعاتبتِهم لحرصِهم على الأسْرِ طمعاً في أخذ الفداء بعد ذلك، وكان ينبغي أنْ تكون غايتُهم الإثخان وبسط سلطان الدين في الأرض، والذي يقتضي في ذلك الظرف استفراغ الوسع في قتل مَن يُتاح لهم قتله أثناء خوض المعركة، فهم كانوا في أول معاركِهم، فالكثرةُ والقوَّةُ كانت لأعدائهم، فلم يكن ينبغي لهم التهاون والاسترخاء معهم والعمل على أسْرِهم وقد أُتيح لهم إضعافهم بقتل أكبر عددٍ منهم، فالآيةُ إذن بصدد المعاتبة والتقريع على أصل الأسر، فهو الذي ينبغي أنْ لا يقع، فهي ليست بصدد الحديث عن أخذ الفداء من الأسرى واستبقائهم أو عدم استبقائهم وإنَّما كانت بصدد الحديث عمَّا كان عليهم فعلُه أثناء قيام المعركة وهو الحرص على القتل دون الأسر، فهذا هو مفاد قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ فهي تُوبِّخهم على قيامهم بأسر عشرات الأعداء رغم تمكُّنِهم من قتلِهم أثناء قيام المعركة والاستراحة من عداوتهم وطغيانهم، وأمَّا هو الحكم بعد وقوع الأسر وانتهاء المعركة فالآية ليست بصدد البيان له، وإنَّما تصدَّت لذلك آيةٌ أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(10) فهذه الآية أجازت أخذ الفداء والانتفاع به، ولكنَّ ذلك لا يعني تصحيح ما قاموا به من الأسْر للمشركين، فكان عليهم أنْ لا يأسروهم أمَّا وقد وقع الأسر على خلاف ما يُريده الله تعالى فحينئذٍ يسوغُ لهم استبقاؤهم وأخذ الفداء منهم وإطلاق سراحِهم، فما اتَّخذه الرسولُ الكريم (ص) من قرار القبول بأخذ الفداء مطابقٌ للقرآن المجيد، والعتابُ والتوبيخُ في الآية الأولى والثانية إنَّما هو على أصل الأسر، أمَّا وقد وقع الأسر فحكم الأسرى هو استبقاؤهم وأخذُ الفداءِ منهم كما أفادت الآية الثالثة.
العتاب والتقريع والتهديد لمَن كانت همَّتهم الأسْر:
وخلاصة القول إنَّ العتاب والتقريع في الآية الأولى والثانية موجَّهٌ للمسلمين الذين خاضوا معركة بدر فكانت همَّتهم أسرَ مَن يمكن أسره من المشركين ليحظوا من ذلك بفدائهم، حتى ورد أنَّ بعضهم كان يقي أسيره حتى لا يُقتل والحرب قائمة(11) وكان الكثير منهم يحرص على الأسر لعلَّه أكثر من حرصه على القتل(12) فهؤلاء هم المعنيَّون من العتاب والتوبيخ في الآيتين، وذلك ظاهرٌ جدَّاً من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ فأصلُ الأخذ للأسرى منافٍ لما عليه سنَّةُ الله تعالى في أنبيائه إلا بعد أنْ يُثخنوا في الأرض ويتمكَّنوا من بسط الدين، وأمَّا قبل ذلك فسنَّةُ الله تعالى في أنبيائه هو عدم الأخذ للأسرى، والقرينة على أنَّ العتاب كان على أخذ الأسرى حال قيام المعركة وليس على أخذ الفداء بعد أنْ وقع الأسر، القرينة على ذلك هو الاتفاق على نزول الآيتين والآية الثالثة بعد معركة بدر وقبل تقسيم الغنائم وأخذِ الفدية من الأسرى فكيف يُعاتبُ الله المسلمين ويُهدِّدهم بالعذاب العظيم على عملٍ لم يفعلوه بعدُ، وأقصى ما كان منهم هو الرغبة في أخذ الفداء ولكنَّهم لم يأخذوا الفداء بعدُ بل كانوا ينتظرون القرار في ذلك، في حين أنَّ الآية الثانية قد نسبت إليهم الأخذ، قال تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فهذا يدلُّ على أنَّهم يُعاتبون على فعلٍ قد ارتكبوه قبل نزول الآيتين والذي هو أخذ الأسرى والذي أفادت الآية الأولى أنَّه منافٍ لما عليه سنَّة الله تعالى في أنبيائه من عدم اتِّخاذ أسرى قبل الإثخان في الأرض.
إشكالٌ وجواب:
قد يُقال إنَّ الآيتين إذا كانتا بصدد العتاب والتوبيخ لمَن قاموا بأسر المشركين رغم تمكُّنهم من قتلِهم فلازم ذلك أنَّ القرآن قد وبَّخهم على فعلٍ لم يكن قد نهى عنه الرسولُ (ص) وهو ما لا يُمكن الالتزام به، إذ كيف يسوغُ التوبيخُ بل والهديدُ بالعذاب العظيم على فعلٍ شيءٍ كانوا يرونه مباحاً بل راجحاً؟
والجواب إنَّه من أين لنا العلم أنَّ الرسول (ص) لم يكنْ قد نهى عن الأسر عند إمكان القتل بل قد يُقال إنَّ تصدِّي الآيتين للتوبيخ والتهديد بالعذاب العظيم يكشفُ عن أنَّ الرسول الكريم (ص) كان قد نهاهم عن الأسْر قبل الإثحان، على أنَّه يُمكن القول بأنَّ القضية لا تحتاج إلى نهيٍ صريح، فواقعُ الحال الذي كانوا عليه من الضعف والقلَّة في مقابل القوَّة والكثرة لأعدائهم، وقد مكَّنهم الله تعالى من أعتى أعدائهم وأشدِّهم بغياً عليهم وسعياً في استئصالهم، فمقتضى التعقل المُدرك لعامَّة العقلاء هو عدم الإبقاء عليهم ما وسعهم، ولهذا جهد عليُّ بن أبي طالب (ع) أنْ يقتلَ ما أمكنه قتله منهم، فقتل من المشركين يومذاك النصف أو ما يقربُ من نصف قتلاهم(13) ولم يأسرْ واحداً منهم رغم أنَّ مَن قدَر على القتل يكون أقدر على الأسْر. فهو (ع) لم يأسرْ أحداً لأنَّ قتل المشركين يوم بدرٍ أعزُّ للإسلام من استبقائهم، وهذا الشأن كان يُدركه المسلمون أو أهل البصائر منهم، ولهذا رُوي أنَّه لما وضع القوم -المسلمون- أيديَهم يأسرون ظهرتْ على وجه سعد بن معاذ الكراهيَّة لما يصنع الناس، فقال: يا رسول الله، أولُ وقعةٍ أوقعها الله بأهل الشرك فالإثخان في القتل أحبُّ إليَّ من استبقاء الرجال(14) على أنَّه ما مِن مؤمنٍ أو مسلم إلا ويُدركُ أنَّه لا يجوز أن تكون الغاية من قتال المشركين الطمعُ في عرَض الحياة الدنيا، وقد صرَّح القرآنُ المجيد أنَّ تلك هي غاية مَن حرصَ على الأسْر دون القتل فأفاد: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ..﴾ فهم مُدرِكون لفساد قصدهم، لذلك فهم مستحقُّون للتوبيخ والتهديد.
وأمَّا ما قيل من أنَّ الرسول (ص) قد أمر بأسرِ مَن يُتاح لهم أسره فلا يصحُّ، فليس ثمة من خبرٍ يُمكن اعتماده في ذلك بل إنَّ الأخبار قد نصَّت على أنَّ الرسول (ص) كان يُحرِّض على القتال واستفراغ الوسع في جهاد العدو(15) وليس في شيء منها الأمر بالأسر، نعم ورد في بعض الأخبار نهيه لهم عن قتل مَن حضر الحرب مُستكرَهاً كالعباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، وورد أيضاً النهي عن قتل أبي البختري من المشركين لأنَّه لم يكن يُؤذي المسلمين في مكَّة إلا انَّه قُتل(16) وفيما عدا هؤلاء لم يثبتْ عنه أنَّه أمرَ بالأسر أو أجازه بل ثبت من الآيتين خلافُ ذلك كما أوضحنا.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
5 / ربيع الأول / 1447ه
29 / أغسطس / 2025م
1- سورة الأنفال / 67-68.
2- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج4 / ص494، المعجم الكبير -الطبراني- ج11 / ص321، جامع البيان -الطبري- ج10 / ص55، ج10 / ص60.
3- أسباب النزول -الواحدي- ص161، صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج5 / ص157، السنن الكبرى -البيهقي- ج6 / ص321.
4- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج3 / ص243، الدر المنثور -السيوطي- ج3 / ص201، السيرة النبوية -ابن كثير- ج2 / ص457.
5- جامع البيان -ابن جرير الطبري- ج10 / ص56، السنن الكبرىر -البيهقي- ج6 / ص321، المصنف -ابن أبي شيبة- ج8 / ص476، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص383.
6- سورة الأنعام / 50.
7- سورة النجم / 3-4.
8- تخريج الأحاديث والآثا -الزيعلي- نقل عن الواقدي أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر كان يقول اقتل ولا تأخذ الفداء وكان سعد بن معاذ يقول اقتل ولا تأخذ الفداء" ج2/ 39، الفتح السماوي -المانوي- من حديث ابن عمر:"لو نزل العذاب لما أفلت إلا ابن الخطاب" ج2 / ص661، الدر المنثور- السيوطي- قال: وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر: ".. ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ولو نزل العذاب ما أفلت الا عمر" ج3 / ص203. وفي الرياض النضرة -المحب الطبري-قال: وفي طريق أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي عمر فقال: "لقد كاد يصيبنا في خلافك بلاء". خرجه الواحدي في أسباب النزول" ج2 / ص290.
9- سورة مريم / 90.
10- سورة الأنفال / 69.
11- السيرة النبوية -ابن هشام الحميري- ج2 / ص460، 461، البداية والنهاية- ابن كثير- ج3 / ص349.
12- تاريخ الطبري -الطبري- ج2 / ص151، السيرة النبوية -ابن هشام الحميري- ج2/ 458. جامع البيان- الطبري- ج10/ 63.
13- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج4 / ص494، الإرشاد -المفيد- قال: ثم بارز أمير المؤمنين عليه السلام العاص بن سعيد بن العاص، بعد أن أحجم عنه من سواه فلم يلبثه أن قتله. وبرز إليه حنظلة ابن أبي سفيان فقتله، وبرز بعده طعيمة بن عدي فقتله، وقتل بعده نوفل بن خويلد -وكان من شياطين قريش- ولم يزل عليه السلام يقتل واحدا منهم بعد واحد، حتى أتى على شطر المقتولين منهم -أي نصفهم-، وكانوا سبعين قتيلا تولى كافة من حضر بدرا من المؤمنين .. قتل الشطر منهم، وتولى أمير المؤمنين قتل الشطر الآخر" ج1 / ص69، الدر النظيم -الشامي المشغري- ص152، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص376.
14- البداية والنهاية -ابن كثير- ج3 / ص347.
15- المغازي -الواقدي- ج1 / ص58، شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد-ج14 / ص121، إمتاع الأسماع -المقريزي- ج1 / ص100، السيرة الحلبية -الحلبي- ج2 / ص393.
16- السيرة النبوية -ابن هشام الحميري- ج2 / ص459، المصنف -ابن أبي شيبة- روى بسنده عن أن النبي (ص) قال يوم بدر: "من لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله فإنهم أخرجوا كرها" ج8 / ص481.