إعراب ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا ..﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ..﴾(1).
سماحة الشيخ
لاحظ كلمة "البر" ألا ينبغي إما أن تكون اسم ليس، واسم لكنّ أو خبرهما فكيف صارت خبر ليس واسم لكنّ؟ أليس هذا من المؤشرات على خطأ قراءة حفص، وصحة قراءة من رفع (البر) على أنها اسم ليس؟
الجواب:
القراءة بالنصب لكلمة "البر" الأولى في الآية هي قراءة حفص التي اسندها إلى عاصم، وأمَّا الباقون من القرَّاء فقرأوها بالرفع كما أفاد ذلك الطبرسي وغيره(2).
حجَّة مَن قرأ بالرفع:
وحجَّة مَن قرأ كلمة "البِر" الأولى بالرفع هو اعتبارها اسم ليس، وهو مرفوع كما هو واضح، وعليه تكون أنْ المصدرية والفعل الذي في حيِّزها -تولُّوا -في محلِّ نصب خبر ليس. فأنْ والفعل مؤولان بمصدر، والتقدير ليس البرُّ توليتَكم وجوهَكم، وإنَّما جُعلت كلمة البر اسم ليس لأنَّ ليس تُشبه الفعل، ومجيءُ الفاعل بعد الفعل مباشرة أولى من أن يتوسط بينهما المفعول به ، فلو اعتبرنا كلمة البر خبر ليس وكلمة أن تولُّوا اسمها لكان معنى ذلك توسُّط خبر ليس بين ليس واسمها وهو خلاف الأولى نظراً لكون ليس بمثابة الفعل المتعدي. ومباشرة الفاعل للفعل أولى وأرجح.
حجَّة مَن قرأ بالنصب:
وأما حجَّة مَن قرأ كلمة البر بالنصب فهو اعتبارها خبر ليس، وخبر ليس منصوب كما هو واضح، وعليه تكون أنْ المصدرية والفعل الذي في حيِّزها في محلِّ رفع اسم ليس، فأنْ المصدرية وتولُّوا مؤولان بمصدر، وتقدير الجملة "ليس البرَّ توليتُكم وجوهَكم" فكلمة البر خبرُ ليس مقدَّم والتولية مبتدأ أو قل اسمُ ليس مؤخَّر.
والوجه في ترجيح اعتبار أنْ المصدرية وصلتها اسماً لليس هو أنَّها أقوى في التعريف من الألف واللام، لأنَّ المؤول بالمصدر يشبه الضمير من حيث إنَّه لا يوصف ولا يُوصف به والتعريف بالضمير أقوى من التعريف بالألف واللام، فلدينا في المقام كلمتان معرَّفتان وهما "البِر" المعرَّف بالألف واللام، وكلمة أنْ المصدرية وصلتها، ولأنَّ التعريف بأنْ المصدريَّة وصلتها أقوى من التعريف بالألف واللام لشبهها بالضمير لذلك ترجَّح اعتبارها المبتدأ أي ترجَّح اعتبارها اسماً لليس، فكما أنَّه إذا دخلت ليس على اسمين أحدهما نكرة والآخر معرفة تعيَّن اعتبار النكرة خبراً وإنْ كان مقدَّماً، وتعيَّن اعتبار المعرفة اسماً لليس وإنْ كان مؤخَّراً كذلك إذا دخلتْ ليس على اسمين مُعرَّفين وكان أحدُهما أعرف من الآخر فإنَّه يترجَّح اعتبار الأعرف اسماً لليس وإنْ كان مؤخَّراً واعتبار غير الأعرف خبراً لليس وإنْ كان مقدَّماً، فهذا هو منشأ ترجيح اعتبار أنْ المصدريَّة وصلتها اسماً لليس حيث إنَّه أقوى في التعريف من كلمة "البر" المعرَّف بالألف واللام.
وكيف كان فإنَّه لا إشكال في جواز كلا الوجهين في كلام العرب، ودعوى أنَّه لا يجوز تقديم خبر ليس على اسمها لا تصحُّ فإنَّ توسُّط خبر ليس بينها وبين اسمها شائعٌ في كلام العرب وإنْ كان تقديم اسم ليس على خبرها أكثر.
فمِن موارد تقديم خبر ليس على اسمها قول السموأل بن عادياء الشاعر الجاهلي:
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ** وليس سواءً عالمٌ وجهولٌ(3)
فكلمة "سواء" رغم أنَّها خبر ليس إلا أنَّها قُدِّمت على اسم ليس.
ومنها قول الشاعر العربي:
أليس عظيماً أنْ تُلمَّ ملمةٌ ** وليس علينا في الخطوب مقول(4)
فكلمة "أنْ تُلمَّ" في موضع اسم ليس ورغم ذلك توسَّط بينها وبين ليس خبرُها وهي كلمة "عظيماً".
ومنها قول الوليد بن عبد الملك:
أليس عظيماً أن أرى كل واردٍ ** حياضَك يوماً صادراً بالنوافل(5)
والمتحصَّل ممَّا ذكرناه هو أنَّ قراءة كلمة البرِّ بالنصب صحيحةٌ دون إشكال، نعم لا يبعدُ أنَّ قراءة جمهور القرَّاء بالرفع هي الأرجح.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
6 / شهر رمضان / 1447ه
24 / فبراير / 2026م
1- سورة البقرة / 177.
2- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج1 / ص482، الكشف والبيان عن تفسير القرآن -الثعلبي- ج2 / ص49، زاد المسير في علم التفسير -ابن الجوزي- ج1 / ص161، تفسير السمرقندي -أبو الليف السمرقندي- ج1 / ص142.
3- البيان والتبيين -الجاحظ- ص479.
4- تفسير أبي السعود ج1 / ص193، تفسير البحر المحيط -أبو حيان الأندلسي- ج2 / ص4.
5- أنساب الأشراف -البلاذري- ج9 / ص138، الأغاني -أبي الفرج الأصفهاني- ج7 / ص12.