الآيات 62-70

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ، لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾

القراءة:

قرأ أبو بكر " أإنا لمغرمون " على الاستفهام. الباقون على الخبر. يقول الله تعالى مخاطبا للكفار الذين أنكروا النشأة الثانية، ومنبها لهم على قدرته عليها، فقال (ولقد علمتم النشأة الأولى فهلا تذكرون) وتفكرون وتعتبرون بأن من قدر عليها قدر على النشأة الثانية. والنشأة المرة من الانشاء، كالضربة من الضرب، والانشاء إيجاد الشئ من غير سبب يولده، ومثله الاختراع والابتداع. ثم نبههم على طريق غيره فقال (أفرأيتم ما تحرثون) من الزرع (أأنتم تزرعونه) أي أأنتم تنبتونه وتجعلونه رزقا (أم نحن الزارعون) فان من قدر على إنبات الزرع من الحبة الحقيرة وجعلها حبوبا كثيرة قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه. وقوله (لو نشاء لجعلناه) يعني ذات الزرع (حطاما) أي هشيما لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء لفعلنا. وقوله (فظلتم تفكهون) معناه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة - في رواية عنه - تعجبون. وقال الحسن وقتادة - في رواية - فظلتم تندمون أي لو جعلناه حطاما لظلتم تندمون. والمعنى إنكم كنتم تتروحون إلى التندم، كما تتروح الفكه إلى الحديث بما يزيل الهم، وأصله التفكه تناول ضروب الفاكهة للاكل، وقوله (إنا لمغرمون) المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض عنه. وأصله ذهاب المال بغير عوض، فمنه الغريم لذهاب ماله بالاحتباس على المدين من غير عوض منه في الاحتباس، والغارم الذي عليه الدين الذي يطالبه به الغريم. ومنه قوله (ان عذابها كان غراما) (1) أي ملحا دائما كالحاح الغريم. وقال الحسن: هو من الغرم. وقال قتادة معنى (لمغرمون) لمعذبون، قال الأعشى:

إن يعاقب يكن غراما وإن يعد *؟جزيلا فإنه لا يبالي (2)

أي يكن عقابه عذابا ملحا كالحاح الغريم. وقال الراجز:

يوم النسار ويوم الجفار * كانا عذابا وكانا غراما (3).

أي ملحا كالحاح الغريم، وحذف يقولون إنا لمغرمون، لدلالة الحكاية. وقال: معنى لغرمون محدودون عن الخط. وقال قتادة محارفون. وقال مجاهد - في رواية أخرى - إنا لمولع بنا. وفى رواية غيره عنه معناه إنا لملقون في الشر. ومن قرأ (أإنا لمغرمون) على الاستفهام حمل على أنهم يقرعون ويقولون منكرين. أإنا لمغرمون ؟! ومن قرأ على الخبر حمله على أنهم مخبرون بذلك عن أنفسهم. ثم يستدركون فيقولون لا (بل نحن محرومون) مبخوسون بحظوظنا محارفون بهلاك زرعنا. ثم قال لهم منبها على دلالة أخرى فقال (أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون) والمعنى إنه تعالى امتن عليهم بما أنعم عليهم من انزال الماء العذب (من المزن) يعني السحاب ليشربوه وينتفعوا به، فقال لهم (أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون) له عليكم نعمة منا عليكم ورحمة بكم. ثم قال (لو نشاء جعلناه أجاجا) قال الفراء: الأجاج المر الشديد المرارة من الماء. وقال قوم: الأجاج الذي اشتدت ملوحته (فلو لا تشكرون) أي فهلا تشكرون على هذه النعمة التي لا يقدر عليها غير الله، وعلمتم بذلك ان من قدر على ذلك قدر على النشأة الأخرى فإنها لا تتعذر عليه كمالا يتعذر عليه هذه النعم.

1- سورة 25 الفرقان آية 65.

2- مر في 7 / 505.

3- مر في 7 / 505.