الآيات 91-101

قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ، قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ، فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ، وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾

القراءة:

قرأ حمزة والمفضل عن عاصم ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء. الباقون بفتحها، وهما لغتان. وزففت أكثر. ويجوز أن يكون المراد زف الرجل في نفسه وأزف غيره، والتقدير فأقبلوا إليه يزفون أنفسهم. قوله ﴿ فراغ إلى آلهتهم ﴾ معناه مال إليها بحدة، تقول: راغ يروغ روغا وروغانا مثل حاد يحيد حيدا وحيدانا، والرواغ الحياد، قال عدي ابن زيد:

حين لا ينفع الرواغ ولا * ينفع إلا الصادق النحرير (1)

وإنما مال إليها بحدة غضبا على عابديها، وقوله ﴿ إلى آلهتهم ﴾ معناه إلى ما يدعون أنها آلهتهم أي إلى ما اتخذوها آلهة لهم، كما تقول. للمبطل: هات حجتك مع علمك انه لا حجة له. وقوله ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ إنما جاز ان يخاطب الجماد بذلك تهجينا لعابديها وتنبيها على أن من لا يتكلم ولا يقدر على الجواب كيف تصح عبادتها، فاجراها مجرى من يفهم الكلام ويحسن ذكر الجواب استظهارا في الحجة وإيضاحا للبرهان، لكل من سمع ذلك ويبلغه. وقوله ﴿ ما لكم لا تنطقون ﴾ معناه تهجينا لعابديها كأنهم حاضرون بها. وقوله ﴿ فراغ عليهم ضربا باليمين ﴾ قيل في معناه قولان:

أحدهما: انه مال عليهم بيده اليمنى، لأنها أقوى على العمل من الشمال.

الثاني: بالقسم ليكسرنها، لأنه كان قال ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ (2) وقال الفراء: اليمين القوة، ومنه قول الشاعر:

إذ ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين (3)

أي بالقوة. وقوله ﴿ فاقبلوا إليه يزفون ﴾ قال ابن زيد: معناه يسرعون. وقال السدي: يمشون. وقيل: يتسللون بحال بين المشي والعدو، ومنه زفت النعامة، وذلك أول عدوها، وهو بين العدو والمشي، وقال الفرزدق:

وجاء فزيع الشول قبل أوانها * تزف وجاءت خلفه وهي زفف (4)

ومنه زففت العروس إلى زوجها، ومعنى يزفون يمشون على مهل، قال الفراء: لم أسمع إلا زففت، قال ولعل من قرأ بالضم أراد من قولهم طردت الرجل إذا أخسأته واطردته جعلته طريدا. وقرأ بعضهم (يزفون) يفتح الياء وتخفيف الفاء من (وزف، يزف) قال الكسائي والفراء: لا اعرف هذه إلا أن يكون أحدهم سمعها. فلما رآهم إبراهيم صلى الله عليه وآله اقبلوا عليه قال لهم على وجه الانكار عليهم والتبكيت لهم بفعلهم ﴿ أتعبدون ما تنحتون ﴾ فالألف ألف الاستفهام ومعناها الانكار ووجه التوبيخ انه كيف يصح أن يعبد الانسان ما يعمله بيده! فإنهم كانوا ينحتون الأصنام بأيديهم، فكيف تصح عبادة من هذه حاله مضافا إلى كونها جمادا!. ثم نبهم فقال ﴿ والله ﴾ تعالى هو الذي ﴿ خلقكم ﴾ وخلق الذي ﴿ تعملون ﴾ فيه من الأصنام، لأنها أجسام والله تعالى هو المحدث لها، وليس للمجبرة أن تتعلق بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ فتقول: ذلك يدل على أن الله خالق لأفعالنا، لأمور:

أحدها: ان موضوع كلام إبراهيم لهم بني على التقريع لهم لعبادتهم الأصنام، ولو كان ذلك من فعله تعالى لما توجه عليهم العيب، بل كان لهم ان يقولوا: لم توبخنا على عبادتنا للأصنام والله الفاعل لذلك، فكانت تكون الحجة لهم لا عليهم.

الثاني: أنه قال لهم ﴿ أتعبدون ما تنحتون ﴾ ونحن نعلم أنهم لم يكونوا يعبدون نحتهم الذي هو فعلهم، وإنما كانوا يعبدون الأصنام التي هي الأجسام وهي فعل الله بلا شك. فقال لهم ﴿ والله خلقكم ﴾ وخلق هذه الأجسام. ومثله قوله ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ (5) ومثله قوله ﴿ وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ﴾ (6) وعصا موسى لم تكن تلقف افكهم، وإنما كانت تتلقف الأجسام التي هي العصا والحبال. ومنها ان (ما) في قوله ﴿ وما تعملون ﴾ لا يخلو من أن تكون بمعنى (الذي) أو تقع مع بعدها بمنزلة المصدر، فان كانت بمعنى (الذي) ف? (تعملون) صلتها، ولابد لها من عائد يعود إليها، فليس لهم أن يقدروا فيها ضميرا لها ليصح ما قالوه، لان لنا أن نقدر ضميرا فيه فيصح ما نقوله، ويكون التقدير: وما يعملون فيه، والذي يعملون فيه هي الأجسام وإن كانت مصدرية فإنه يكون تقديره: والله خلقكم وعملكم، ونفس العمل يعبر به عن المعمول فيه بل لا يفهم في العرف إلا ذلك، يقال فلان يعمل الخوص، وفلان يعمل السروج، وهذا الباب من عمل النجار، والخاتم من عمل الصانع، ويريدون بذلك كله ما يعملون فيه، فعلى هذا تكون الأوثان عملا لهم بما يحدثون فيها من النحت والنجر، على أنه تعالى أضاف العمل إليهم بقوله ﴿ وما تعملون ﴾ فكيف يكون ما هو مضاف إليهم مضافا إلى الله تعالى وهل يكون ذلك إلا متناقضا. ومنها أن الخلق في أصل اللغة هو التقدير للشئ وترتيبه، فعلى هذا لا يمتنع أن نقول: إن الله خالق أفعالنا بمعنى أنه قدرها للثواب والعقاب، فلا تعلق للقوم على حال. ثم حكى تعالى ما قال قوم إبراهيم بعضهم لبعض فإنهم ﴿ قالوا إبنوا له بنيانا ﴾ قيل: انهم بنوا له شبه الحظيرة. وقيل مثل التنور وأججوا نارا ليلقوه فيها. والبناء وضع الشئ على غيره على وجه مخصوص، ويقال لمن رد الفرع إلى الأصل بناه عليه. ﴿ فالقوه في الجحيم ﴾ بمعنى اطرحوه في النار التي أججوها له. والجحيم عند العرب النار التي تجتمع بعضها على بعض. ثم اخبر تعالى ان كفار قوم إبراهيم انهم ﴿ أرادوا به كيدا ﴾ وحيلة وهو وما أرادوا من إحراقه بالنار ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ بأن أهلكهم الله ونجا إبراهيم وقيل منع الله - عز وجل - النار منه بل صرفها في خلاف جهته، فلما أشرفوا على ذلك علموا انهم لا طاقة لهم به. ثم حكى ما قال إبراهيم حين أرادوا كيده، فإنه قال ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ ومعناه إلي مرضات الله ربي بالمصير إلى المكان الذي أمرني ربي بالذهاب إليه. وقيل: إلى الأرض المقدسة وقيل إلى ارض الشام. وقال قتادة: معناه ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ أي بعملي ونيتي، ومعنى ﴿ سيهدين ﴾ يعني يهديني في ما بعد إلى الطريق الذي امرني بالمصير إليه أو إلى الجنة بطاعتي إياه. ثم دعا إبراهيم ربه فقال ﴿ ربي هب لي من الصالحين ﴾ يعني ولدا صالحا من الصالحين، كما تقول: اكلت من الطعام، وحذف لدلالة الكلام عليه، فأجابه الله تعالى إلى ذلك وبشره بغلام حليم اي حليما لا يعجل في الأمور قبل وقتها، وفي ذلك بشارة له على بقاء الغلام حتى يصير حليما. وقال قوم: المبشر به إسحاق وقال آخرون إسماعيل، ونذكر خلافهم في ذلك في ما بعد.

1- تفسير الطبري 23 / 41.

2- سورة 21 الأنبياء آية 57.

3- تفسير القرطبي 15 / 75.

4- تفسير الطبري 23 / 42 والقرطبي 15 / 95.

5- سورة 7 الأعراف آية 116.

6- سورة 20 طه آية 69.