التفسير والتأويل على المسالك المختلفة ومشارب شتى

فعلى مسلك الأخباريين: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا)، أي نطفة ميتة وعلقة، فأجرى فيكم الروح (ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) (1) في القيامة. وقريب منه: قيل للكفار - قريش واليهود - (كيف تكفرون بالله) الذي دلكم على الهدى، وجنبكم إن أطعتموه سبيل الردى (وكنتم أمواتا) في أصلاب آبائكم وأرحام أمهاتكم (فأحياكم) أخرجكم أحياء (ثم يميتكم) في هذه الدنيا، ويقبركم (ثم يحييكم) في القبور، وينعم فيها المؤمنين بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وولاية علي (عليه السلام)، ويعذب الكافرين فيها (ثم إليه ترجعون) في الآخرة، بأن تموتوا في القبور بعد، ثم تحيوا للبعث، ويوم القيامة ترجعون إلى ما قد وعدكم من الثواب على الطاعات إن كنتم فاعليها، ومن العقاب على المعاصي إن كنتم مقارفيها (2). (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) لتعتبروا به ولتوصلوا به إلى رضوانه وتوقوا به من عذاب نيرانه (ثم استوى إلى السماء) أخذ في خلقها وإتقانها (فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم) ولعلمه بكل شئ علم المصالح، فخلق لكم ما في الأرض لمصالحكم يا بني آدم. هكذا في رواية ابن بابويه (3). وعن القمي في حديث: استوى ربنا إلى السماء، أي استولى على السماء والملائكة (4).

وعلى مسلك أرباب الحديث: فعن عبد الله بن مسعود (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) (5) قال: هي التي في البقرة: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) (6). وعن ابن عباس: (كنتم أمواتا فأحياكم) أمواتا في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم، (ثم يميتكم) موتة الحق، (ثم يحييكم) حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله تعالى: (أمتنا اثنتين...) (7) إلى آخره. وعن الضحاك عن ابن عباس مثل ذلك في تطبيق الآيتين الأولى على الثانية (8). وهذا هو المروي بإسناد آخر عن ابن عباس وابن مسعود وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية والحسن وقتادة ومجاهد وأبي صالح وعطاء الخراساني (9)، وعن الثوري عن السدي عن أبي صالح: (كيف تكفرون بالله...) إلى آخره. قال: يحيكم في القبر ثم يميتكم (10). وبسند عن زيد بن أسلم، قال: خلقهم في ظهر آدم ثم أخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة (11). وأنت خبير بضعف هذه المقالات، لأن تلك الآية ظاهرة على نسبة الإماتة إليه تعالى، دون هذه الآية: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) عن قتادة: والله سخر لكم ما في الأرض (12). (ثم استوى إلى السماء) فعن ابن أنس: ارتفع إلى السماء (فسواهن سبع سماوات)، أي خلقهن. (وهو بكل شئ عليم) (13) وعن مجاهد خلق الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول: (ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض (14). وعن ابن عباس (بكل شئ عليم) العالم الذي قد كمل علمه (15)، ولا يبعد إرادة توضيح الفرق بين العالم والعليم، فإنه تعالى أعلى وأرفع من أن يكمل علمه ولم يتنبه أصحاب التفسير إلى مقصوده أحيانا. ثم إن في كتب تفسير الآية إطالات حول تقديم خلق الأرض والسماء، وحول مبدأ تكون السماء والأرض، والبحث الثاني أجنبي عما نحن فيه، لعدم تعرض الآية لذلك، ويأتي تفصيله في سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى. وأما مسألة التقديم والتأخير فقد أشرنا إليها فيما سلف، وذكرنا اختلاف الآيات في ذلك بما لا مزيد عليه.

وأما على مسلك أرباب التفسير وأصحاب النظر والتفهم: (كيف تكفرون) أيها الكافرون في عبادة الأوثان، والمشركون في العبادة الباطلة ؟! كيف يسوغ لكم ذلك (وكنتم أمواتا) ولا شيئا صرفا وعدما محضا، ولم تكونوا شيئا مذكورا، فيكون الموجبة المعدولة بحكم السالبة المحصلة، (فأحياكم) وأوجدكم بالوجود الجامع للكمالات الحيوانية والنباتية والإحساسية والإدراكية الجزئية والكلية، (ثم يميتكم) ويزيل حياتكم النباتية والحيوانية والادراكية الإنسانية، فتلتحقون بالأعدام وبالمعدومات، (ثم) ثانيا (يحييكم) بالحياة الجديدة المشابهة للحياة الأولى، ثم يتوجه إليكم الموت الآخر، (ثم إليه ترجعون) للمكافأة والمحاسبة والجزاء إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ؟! وقد أشرنا فيما سلف إلى امتناع هذا التفسير بما لا مزيد عليه. وقريب منه: (كيف تكفرون) أيها الملاحدة المنكرون للتوحيد الذاتي وغيره، (بالله) الذي هو وجود الحق (و) قد (كنتم أمواتا) وكنتم غير أحياء بالحياة الخاصة وبالآثار المرغوبة منكم (فأحياكم) بتلك الحياة التي لها الآثار الكمالية والنباتية والإنسانية، (ثم يميتكم) بارتفاع تلك الآثار المرغوبة وتلك الأحكام المشهودة بين الناس (ثم يحييكم) ويرجعكم إلى تلك الحياة ببروز الآثار الجديدة والأحكام الحديثة المسانخة مع ما تلف وهلك (ثم إليه ترجعون) بعد عودكم إلى أنفسكم، وبعد التوجه إلى ما أنتم عليه من الوجودات الكمالية وإلى مواقفكم، وإلى ما مر عليكم في الأسلاف والأزمنة والبطون والأوعية. وقريب منه: (كيف تكفرون) أيها الراجعون إلى الكفر بعد الإيمان، لعدم تمكنكم من إدراك الأمثال وهضم ضرب الأشباه والنظائر (بالله) الخبير البصير العالم بالأمثلة وبالجهات اللازمة في هداية الأنام الأسافل، والبشر البعيد عن الحقائق والسعادات والفضائل (و) الحال أنكم (كنتم أمواتا) في الأشياء والأمتعة، وأحياء بالحياة المسانخة في هذه المرحلة، وفاقدين للحياة التي تليق بكم، وإليها ينتهي مسيركم في النشأة الدنيوية، (فأحياكم) بالحياة الإحساسية في الأصلاب، وصرتم نطفا حية حيوانية، (ثم يميتكم) بالإماتات الكثيرة والإحياءات المتعاقبة في الأرحام الأمهاتية، فيتبدل عليكم الموت والحياة فيها كثيرا ومرارا، وهو مقتضى نسبة المضارع إليه تعالى، وكأنه أمر يستمر عليهم، فلابد من تدخل الحياة وتشبك الممات بها. (ثم يحييكم) بالحياة الروحية والنفخة الإنسية الانسية الباقية الأبدية الدائمية، (ثم إليه ترجعون) حتى يبين الحق والباطل، والعدل والظلم، ويظهر ما كسبوه طيلة تلك الحياة، وما عندهم من الحسنات والسيئات. وقريب منه: (كيف تكفرون بالله) أيها المنحرفون عن جادة الاعتدال والمحجوبون عن فطرة السلامة والتوحيد. (وكنتم) قبل هذه الحياة الدنيوية (أمواتا) ونطفا ومضغة وعلقة (فأحياكم) الله تعالى بالأسباب المتوسطة اللازمة، والشرائط الدخيلة، فأعطاكم حياة خاصة تشهدونها وتدركونها، وهي هذه الحياة التي بين أيديكم (ثم يميتكم) ويزيل عنكم تلك الحياة، فتنتقلون إلى النشأة الأخرى، فتموتون عن هذه الحياة (ثم يحييكم) بالحياة الثانية التي هي أعلى وأرقى من الحياة الأولى مما لا ممات بعدها، بل هي الحياة الخالدة المحفوظة عن التطورات والتقلبات، (ثم إليه ترجعون) فتلتحقون بالغاية الأخيرة، وهو الرجوع إلى الله تعالى الخالص عن جميع الخطرات الشيطانية، وعن كافة تبعات التطورات السابقة الباقية، بعد ذلك ببقاء الله تعالى، سالمة عن جميع اللا ملائمات البدنية والروحية والقلبية والتصورات المزاحمة. وقريب منه: (كيف تكفرون بالله) أيها المؤمنون والمنافقون والكافرون والمسلمون، وكيف لا يدخل الإيمان في قلوبكم، وتكونون من المؤمنين والمتظاهرين بالإيمان والإسلام، ولا يثبت روح الحقيقة في قلوبكم وذواتكم (وكنتم أمواتا)، وكان كل واحد منكم مجموعة الأموات الكثيرة والإماتات المختلفة، لأن كل واحد منكم موضوع الإحياءات المتعاقبة، من الوجود وكمال الوجود، من الوجود الفردي والاجتماعي، (فأحياكم) بإزالة كافة الإماتات المتوجهة إليكم، ودفع كافة الأسباب المنتهية إلى عدم دخولكم في تلك الحياة، الجامعة للحياتات المتنوعة الجزئية والكلية، الفردية والاجتماعية، (ثم يميتكم) فيحصل انتقالكم من هذه النشأة إلى النشأة الأخرى البرزخية، وإلى القبر الذي هو إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، (ثم يحييكم) برجوعكم إلى الأبدان المسانخة معكم، وإلى البدن الذي يليق بكم، وإلى أبدانكم التي قد تعلقتم بها، وكانت بينكم وبينها العلقة الطبيعية، (ثم إليه ترجعون) وبعد تلك الرجعة، وبعد ذلك الصحو الحاصل بعد المحو والسهو، ترجعون إلى الله تعالى وإلى العدالة الإلهية والقسط الرحماني. وقريب منه: (كيف تكفرون) بأنحاء الكفر في جميع الأوعية والنشات الروحية والقلبية والطبيعية، (بالله) الذي لا يليق أن يكفر به أحد بكافة أنواع وأنحاء الفسق والعصيان والطغيان (وكنتم أمواتا) لا بالإماتة الإلهية، بل بالموت المستند إلى أنفسهم، فلم تكن لهم آثار الحياة، فكأنهم أموات بالمجاز والادعاء، لا بالحقيقة والاستعمال، وهذا أمر رائج في جميع الألسنة الموجودة، ولا سيما في العربية والكتاب والسنة، فكنتم أمواتا في الأرض وفي الأصلاب وفي الأرحام، لانتفاء آثار الحياة عنكم المرغوبة منكم وإن كانوا أحياء بوجه، أو لا يصدق عليهم الأموات بوجه آخر، (فأحياكم) في النشأة الظاهرة، إما بخروجكم أحياء عن الأمهات، أو بصيرورتكم أحياء فيها بعد ولوج الروح في أبدانكم. (ثم يميتكم) بانتفاء آثار الحياة الاجتماعية التي كانت لكم، وبانتفاء النمو والحركة الكمية، وبانتفاء كثير من الآثار الحياتية التي كانت تدور عليها حياتكم الدنيوية، فتكون إماتتكم أيضا من المجاز لا الحقيقة، (ثم يحييكم) بظهور آثار الحياة فيكم أكثر مما كانت وأوفر وأضعف وأشد وأبرز (ثم إليه ترجعون) على المجاز لا الحقيقة، لأن الكل على الدوام في الرجوع إلى الله ولا يختص ذلك بالحركة الأخيرة، ولا رجوع إليه حتى يتوهم التجسم والتحدد، فالرجوع إليه بالمعنى الخاص من المجاز، لا الحقيقة. وقريب منه: (كيف تكفرون بالله) وهذا توبيخ لكم وتثريب عليكم وعار، ولا تستحيون من ذلك بعد تلك البراهين الناهضة على التوحيد والرسالة وذلك الإعجاز الخالد، فبعد اللتيا والتي كيف تكفرون بالله (و كنتم أمواتا) في شبه جزيرة العرب، لا تأكلون إلا كأكل الانعام، ولا تعيشون إلا كعيشة الوحوش، وهذا تاريخ حياتكم بين أيديكم، فكنتم محرومين عن كافة مزايا الاجتماعيات، والحضارات المدنية، الموجودة في تلك الأعصار في الأمصار البعيدة عن قطر كم ومنطقتكم. (فأحياكم) بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حياة طيبة لا عار فيها ولا مذلة، فصرتم ذات المعيشة الحديثة بأحسن تقويم وأقوم تحسين حتى نلتم المزايا العالمية وخلفتم وراء ظهوركم الامراء والسلاطين، وبلغتم من السعادة الإنسانية غايتها، ومن الفضائل الروحية نهايتها ومن المحسنات الخلقية آخرها، فهل تكفرون بمثله ؟! كلا وحاشا، (ثم) الله (يميتكم) عن تلك الحضارة، كما أماتهم الآن، فرجعوا القهقرى بترك الطريقة الحقة والولاية المحقة، وبرفض أهل بيت العصمة - عليهم الصلوات والسلام والتحية - وقد أمروا أن يتمسكوا بالثقلين: كتاب الله والعترة، فطرحوهما وراء ظهورهم، فبعدا للقوم الظالمين. (ثم يحييكم) الله - إن شاء الله - بظهور ولي الله الحجة، وغيبة الله المهجة وطلوع نور الله الساطع، وشمس الهداية عجل الله تعالى فرجه، (ثم إليه ترجعون) فتموتون وتحيون. وهناك بعض الوجوه الاخر. " تو خود توان كه بخوانى مفصل از مجمل ".

وأما على مسلك الحكيم الإلهي: (كيف تكفرون) يا أيها الإنسان المتبدل عليك الصور، المحفوظ في طي تلك التبدلات (بالله)، الذي هو موجود بالضرورة الذاتية الأزلية، فلا خفاء في أصل وجوده، (و) قد (كنتم أمواتا) وكان كل واحد منكم لا أثر للحياة فيه، والشخص المتدرج إلى الكمال والمتحرك نحو الغاية المطلوبة، موجود خال عن تلك الآثار، فإن بهذا الاعتبار يصح توارد الخطابات وتتابعها. (فأحياكم) بالنفس الحادثة الحاصلة من تلك الحركة الطبيعية الذاتية، فنفخ فيكم الروح الإدراكية والإحساسية المشخصة والمميزة. وقريب منه: (كنتم أمواتا) نطفة وعلقة ومضغة، وكان كل واحد منكم من الأموات، وأقل الجمع ثلاثة، (فأحياكم) فكسونا العظام لحما، ثم نفخت فيه من روحي، وفي مجئ الفاء إشعار بالتدرج المتنقل إلى الكمال آنا فآنا، وفي توحيد المخاطب إشعار بوحدة الموضوع في الحركة (ثم يميتكم) فلا يكون فناء وإلحاقا إلى الفناء والعدم، لقوله تعالى: (ثم يحييكم) وإلا تلزم إعادة المعدوم، (ثم إليه ترجعون) في القيامة. وقريب منه: (ثم يميتكم) بزوال البدن المادي وبروز القشر الثاني، وهذا هو الإحياء الثاني بظهوركم في البدن الحقيقي البرزخي، الذي هو محجوب بالبدن المادي المرفوض في الموت الأول، (ثم إليه ترجعون) برجوعكم إلى ذلك البدن القائم بكم قيام صدور ولستم حالين فيه، بل هو قائم بكم قضاء لانحفاظ ذلك البدن بعينه عندكم، ضرورة أن للشئ غير الكون في الأعيان كون بنفسه لدى الأذهان، وهذا هو من خواص الوجودات الذهنية والوجودات المحفوظة في خزانة النفس وصقع الخيال.

وأما على مسلك المتكلم: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) غير أحياء في الأصلاب وفي نشأة من الأرحام ثم (أحياكم) بإنزال الروح من عالم الأرواح إلى أبدانكم، فكنتم أحياء ف? (يميتكم) بأن أخذ ملك الموت أرواحكم، فصرتم أجزاء متشتتة، صغارا فانية، في عالم الأجسام والأزمان، ولكنه يبقى منكم جزء صغير فيه استعداد الحركة والنمو والترقيات المادية، فأحياكم برجوع الروح إلى البدن المستجمع فيه الأجزاء المنتشرة، (ثم إليه ترجعون) لتصفية الحساب وتعيين المصير من الثواب والعقاب.

وأما على مذاق أهل العرفان وأصحاب الكشف والإيقان: (كيف تكفرون) أيتها الأعيان الثابتة الأزلية، التي شاهدتم الله بأحسن الشهود وأقوى العرفان وأشد الإيمان، وبالحقيقة والفطرة (بالله) الذي هو ملزومكم الأزلي، وملازمكم الدائمي القديمي، وخالقكم بالفيض الأقدس (وكنتم أمواتا) فانين في الربوبية ووالهين في العزة الإلهية والسطوة الجبارة، فلا يحكم عليكم بشئ لا موتا ولا حياة إلا أن أقصر التعابير عنكم: أنكم كنتم في الابتداء أمواتا (فأحياكم) بالحياة الجمعية الإلهية، وأنزلكم من السماء الإلهية إلى مراحل الربوبية. وقريب منه: (كنتم أمواتا) وأعداما صرفا، لاحكم عليكم لانسلاب ذواتكم عنكم، وإطلاق الموت عليكم من التوسع، أو هو مقتضى اللغة، (فأحياكم) بالفيض الأقدس وبالتجلي الأول، فتعتبر الأعيان الثابتة الملازمة للأسماء الإلهية، (ثم يميتكم) بفنائكم بعد الالتفات إلى الحفرات الثلاثة (ثم يحييكم) بالفيض الأقدس في القوس النزولي، ويستمر هذه الحياة في هذا القوس إلى أن ينتهي الفيض إلى مقبض الهيولي (ثم إليه ترجعون) في القوس الصعودي ويستمر هذا الرجوع من مادة المواد إلى مراحل النطفة والعلقة والمضغة والحياة الحسية والإدراكية والعقلية والقبرية البرزخية والقيامة الصغرى والكبرى والعظمى إلى أن يحصل الحياة الذاتية الأبدية الوجوبية. وقد تحرر منا: أن جميع هذه التعابير تجتمع في الكتاب الإلهي، على حسب مراتب الخفاء والإخفاء والظهور والبروز ومراحل البطون، كما أن جميع المراحل الإدراكية التفسيرية، عين مراتب الكتاب التكويني، الذي هو والتشريعي واحد حقيقة ومختلف اعتبارا، ويكون الكلي علم الله الفعلي النافذ في جميع الأشياء والأعيان حسب اختلاف الاستعدادات والسعة والضيق ف? (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها). وقريب منه: (كيف تكفرون) وتحتجبون بالحجب السبعة (بالله) وفيكم اللطائف الإلهية السبعة التي أودها الله تعالى، (وكنتم أمواتا) وعقولا بالعقل الهيولاني ثم (أحياكم) بالعلوم الإلهية السماوية والقرآنية، وصوركم بالصورة الفعلية الملكوتية، (ثم يميتكم) فلا تعلمون شيئا، لرجوعكم إلى الوحدة المحضة الغافلة عن كل شئ حتى عن الأنانية النفسانية، وتقفون في ظلمة الشك (ثم يحييكم) بالعقل المستفاد والفعال، فيكون على يقين من معلوماته وكمالاته الحاصلة له. (ثم إليه ترجعون) بعد ما رجعتم إليه أولا، وتوجهتم إلى أنفسكم ثانيا، فرجعتم إليه ثانيا أيضا رجوعا لا عدول بعده أبدا. وقريب منه: (كنتم) كافرين و (أمواتا) وغير شاعرين بالحقائق (فأحياكم) بمكاشفة الأسرار ومشاهدة الآثار، (ثم يميتكم) عن أوصاف الكثرة والعبودية المتقومة بالعابد والعبادة والمعبود (ثم يحييكم) في السفر الأخير بقيام الحق بالحق وبالنور المطلق، (ثم إليه ترجعون) برفض الجهات المادية والرذائل الدنيوية والرجوع إلى الحق الأول بجميع شتات الحياة. وقريب منه: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) في عالم الذر، (فأحياكم) في عالم الدنيا (ثم يميتكم) عنه بنقلكم إلى عالم الرجعة (ثم يحييكم) من عالم الرجعة إلى الدنيا (ثم إليه ترجعون) فتنقلون إلى عالم القبر والبرزخ، ثم إلى عالم القيامة الكبرى والعظمى. هذا تمام الكلام حول الآية الأولى من الآيتين الشريفتين، وأما الآية الثانية:

فعلى مسلك أصحاب التفسير وأرباب التدبير: (هو الذي خلق لكم) أيها الكفار بالله تعالى (ما في الأرض جميعا) من الأشياء ذات الحياة وغيرها تحت الأرض وفوقها جامدها ومايعها، (ثم استوى) الله تعالى بعد ذلك (إلى السماء) فأخذ في ذلك وشرع في إيجادها، (فسواهن) وجعلهن وخلقهن (سبع سماوات) طباقا بعضها فوق بعض، (وهو بكل شئ) من الأرض والسماء (عليم) وعالم وخبير وواقف. وقريب منه: (هو) الله (الذي خلق لكم) أيها المنافقون والكافرون العابدون غير الله (ما في الأرض) في سطحها وبطنها فرعها وأصلها نباتها وجمادها وحيوانها (جميعا) لكم فخلق لكم - جميعا ومجموعا - مجموع ما في الأرض، فيكون مجموع ما في الأرض لمجموعكم، ويعتبر رضى مجموعكم في تصرفات كل واحد منكم، (ثم استوى إلى السماء) التي كانت موجودة فاستوى إليها لنظامها وتسويتها وتشكيلها، (فسواهن سبع سماوات) بعد ما كانت سماء واحدة، فكما أن الأرض كانت موجودة فخلق لكم ما في الأرض جميعا، كذلك كانت السماء حية موجودة شاغلة للفضاء، فسواهن سبعا، وأخذ في خصوصية من خصوصياتها، وهي صيرورتها سبعا بعد ما كانت واحدة وطبيعة غير متكثرة ولا متعددة، أو ولا متطابقة، (وهو بكل شئ) من الأصل والفرع (عليم) بعد ما كان قادرا، وكانت قدرته واضحة. وقريب منه: (هو الذي خلق) وأبدع وكون (لكم) أيها الناس بأصنافهم وطبقاتهم (ما في الأرض جميعا) أي لكل واحد منكم خلق المجموع من المباحات والممنوعات العقلية والشرعية، فإن ما هو الممنوع شرعا من حيث الأكل والشرب، لا يكون ممنوعا عن سائر الجهات أحيانا، (ثم استوى) وتوجه والتفت بحسب الإرادة الفعلية والعلم الفعلي (إلى السماء) وإلى الناحية العليا، وإلى جهة العلو (فسواهن) واعتبرهن وقسمهن (سبع سماوات) وسبع علويات وفوقانيات، فإن كل شئ يقبل القسمة إلى الأقسام المختلفة قسمة فكية، أو قسمة وهمية، أو قسمة توهمية، (وهو) لمكان كونه خالق هذه الأشياء ومبدعها ومخرجها من صقع الأعدام إلى الوجودات ومن صقع البسائط إلى المركبات (بكل شئ) من هذه الأمور والجهات (عليم) ومطلع خبير وشاهد بصير. وقريب منه: (هو الذي خلق لكم) يا أيها الإنسان العظيم الشريف الكبير - على سبيل الإهمال والإجمال دون العموم والاستغراق - وأبدع لكم، فتكون - يا عزيزي وقرة عيني - أنت في نظر الخالق في الغاية القصوى من الرفعة والعلو وفي نهاية السمو والرقي، لأنه تصدى لخلق (ما في الأرض جميعا) لك وعزم عليه لأجل ما يرى فيك من القوى الخاصة والإمكانات الاستعدادية الراقية، فكيف تكون أنت محروما مع ما فيك من الأسرار والعلوم ومن الحقائق والرقائق ؟! فهل - بعد كونك الغاية في هذه الحلقة من الخلقة - يمنعك العقل والدين عن التدبر في حدودها والتفكر في كمياتها وكيفياتها والودائع المودعة فيها ؟! فكان الأرض وما فيها نحلة لك، وأنت وارث ما في الأرض ومن عليها، ومن موجبات الاهتمام بشأنك ابتدأ بذكر خلق ما في الأرض، نظرا إلى أنه أمس بك وأقرب إليك، وأنت أحوج إليه مما في السماء ومن خصوصياته، ولأجله قال: (ثم استوى إلى السماء) واستولى على جهة العلو بالنسبة إلى الأرض (فسواهن) السماويات والكائنات الجوية في الجهة العالية والناحية الفوقانية، (سبع سماوات) وكثيرا في الحدود التي يكنى عنها بالسبع، فإنه كلمة الكناية، كالسبعين وغيره من الأعداد الكثيرة، كالأربعين والمائة، كل ذلك في هذه المنظومة التي بين أيدينا، (وهو بكل شئ عليم)، فيعلم كيفية الخلق والتقدير وكمية السفليات والعلويات، ولزوم تقديم خلق على خلق وغير ذلك فلا يخطر ببالك المناقشة في علة اختيار سبق خلق على خلق، واختيار عدد دون عدد، واصطفاء غاية دون غاية. وقريب منه: (هو الذي خلق) قبل أن يخلقكم (لكم) الأرض و (ما في الأرض جميعا) فكان خلقكم ووجودكم موقوفا على خلق الأرض وما فيها، فسبقكم في الخلق هذه الأمور لأجل ذلك، ولا يكون ذلك وما في الأرض لكم ومملوككم ومباحا لكم، إلا إذا اقتضى الدليل ذلك، فالحاجة إلى الأرض وما فيها في البقاء قطعية، إلا أن رفع الحاجة بهذه الأشياء لابد وأن يكون بهداية من الله كيفية وكمية، وأما في الحدوث فكل ما في الأرض وما فيها مخلوق لأجل حدوثكم وإيجادكم. (ثم استوى إلى السماء) مما لا توقف بين وجودكم وبينها، فكان في فسحة من ذلك وسعة، فأخر خلقها ونظامها، أو كان خلق الأرض شرطا في خلق السماء وتسويتها، فشرع وقصد وتوجه إلى ذلك (فسواهن سبع سماوات) اجتماع شرائط وجود السبع دون الأزيد، فإن الوجودات المادية السفلية والعلوية، كلها مركبة من الأجزاء، ومتحصلة من الحركات، وانضمام المواد بعضها إلى بعض، وليست من المبدعات المجردة الخالية عن الشرائط غير الإمكان الذاتي، فعلى هذا مقدارها وكيفيتها تابعة لكيفية تحصل شرطها، كما ترى ذلك في المواليد المختلفة في الصحة والنقصان الناشئ هذا الاختلاف من تفاوت الشرائط والاستعدادات. (وهو بكل شئ عليم) فيعلم حدود قابلية السماء للمقدار الممكن تحصله منها، من السبعة وغيرها.

وعلى مسلك الحكيم: (هو الذي خلق) وأوجد على نهج التدريج، وعلى حساب الحركات والشرائط والإمكانات الثلاثة (لكم) بالتوسع والمجاز، فإن العالي لا يفعل للداني، فما هو الغاية حقيقة هو ذاته الإلهية المقدسة، وإليه الإشارة في الحديث: " خلقت الأشياء لأجلك، وخلقتك لأجلي " (16) وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف " (17) (ما في الأرض) الصغير والكبير (جميعا) ما في الأبدان والأزمان والأدوار والأوكار كلا وإن كان في طائفة منها إضرار بحقكم وتضييع لأمزجتكم بصورة مستقيمة إلا أنه أيضا فيه المنافع العائدة إليكم بشكل غير مستقيم فخلق السموم والمضرات والأفاعي والعقارب والمؤذيات أيضا لكم ولأجلكم، لاشتراط حياتكم الصحيحة السالمة بها أحيانا. وقريب منه: (خلق لكم) من الأنواع والأصناف جميعا وإن لم يكن كل فرد وشخص لكم، كما هو الأظهر، (ثم استوى إلى السماء) الدنيا، والتفت فيضه الفعلي ونظامه العيني إلى السماء الدنيا الخارجية الكبيرة بل والصغيرة، وهي سماء الأبدان والأجساد، وسماء الأرواح والمعاني والدقائق واللطائف (فسواهن سبع سماوات) طباقا عرضية حسب الأقاليم السبعة، وطولية حسب الغلظة والرقة، لقربها من سطح الأرض وبعدها عنه. وقريب منه: أن الأبعاد متناهية عند أرباب الفلسفة والحكمة قاطبة، فيكون جميع ما وجدناه إلى الآن كله في السماء الدنيا التي زينت بزينة الكواكب (فسواهن) تلك السماء الواحدة الجنسية (سبع سماوات) شخصية، فجميع المستكشفات العصرية في السماء الدنيا وما لا يدركه البصر العادي لأجل أنه ليس زينة للسماء الدنيا، يعد من السماء الثانية مثلا (وهو بكل شئ عليم) علما أزليا شخصيا جزئيا، ولو كانت الأشياء المخلوقة فيما لا يزال، فهو تعالى عليم بكل شئ بالفعل من الأزل، والأشياء حادثة زمانية فيما لا يزال متأخرة، وقد مر شطر من عجائب هذه الآية وأشباهها، وسيمر عليك في الآتي إن شاء الله تعالى.

وعلى مسلك العارف الخبير: (هو الذي) إشارة إلى مقام الذات، الخالية عن جميع التعينات الأسمائية والصفاتية، فيكون نفس ذاته تعالى سببا للتجليات من غير دخالة اعتبار آخر، لأن الذات الأحدية المشار إليها بضمير الغائب كافية، (خلق لكم) بعد ما قدر بتقدير سابق عليه بفيضه الأقدس، فيكون الإنسان الكامل في السفر الثالث راجعا إلى الذات الأحدية، حتى يصح تقدير الأشياء لأجله وخلقها له، ولابد أن يكون هو السابق على تلك الأشياء كسبقه تعالى، فلا يكون قوله تعالى: (لكم) من التوسع والمجاز، لأنه بعد ذلك السفر، وبعد الفراغ عن السفر الثاني، برفض جميع حدود العقلية والوهمية والمقدارية والخارجية، وبفنائه عن الغيرية والسوائية، وبعد تعينه بالبقاء الباقي ببقائه تعالى، لا يكون غيره في الدار، فخلق ما في الأرض جميعا لكم، وخلق الخلق لكي يعرف، يرجع إلى أمر واحد في الغاية والنهاية. (ما في الأرض جميعا) وما في الدون والأسفل من العقل الأول إلى العقول الأخيرة والعقل الفعال، وإلى ما تحت الثرى والثريا (ثم استوى إلى السماء) في قوس الصعود، فإن تلك الخلائق كانت في قوس النزول وإلى الفرار عن المركز والاستبعاد عن الأصل، فشرع في إرجاع الأشياء إلى المركز وإلى الأصل، وإلى سماء الحقيقة والسماوات الموجودة في هذا السير الجزئي، واللطائف السبعة الروحية والنفسانية والطبعية، إلى السر والخفاء والأخفائية، (فسواهن سبع سماوات)، نظرا إلى أنه في قوس النزول خرج عن حد الوجوب السابق إلى الجوهرية العقلية والقواهر العليا، ثم العقول العرضية والمثل النورية والقواهر الدنيا، ثم النفس الكلية، ثم المعلقات الخيالية والمثالية المنفصلة، ثم الطبع الكلي، ففاض الصورة الجسمية المطلقة، فالهيولي قد حصلت في أخيرة القوس، وفي قوس الصعود لا يرجع من ذلك الخط بشخصه، فإن التكرار في التجلي ممنوع، فيكون مماثلا له في الصعود (كما بدأكم تعودون) (18) وهي المراتب السبع والسماوات السبعة. وقد خلطنا بين مشارب الإشراق والمشائين والعرفان، نظرا إلى فهم ما هو المهم في المقام من المرام، فليعذرني إخواني الأعلام، لأن المسألة من مزال الأقدام. وبالجملة: قاعدة إمكان الأشرف تشعر بالأرض وبالسفليات باعتبار كونا في قوس الأول وجنبة يلي الخلقي وقاعدة إمكان الأخس تشعر بالسماوات السبع باعتبار التوجه إلى جنبة يلي الربى. و (هو) إشارة إلى ما أشير إليه بقوله (هو الذي) فالمرتبة الابتدائية والاختتامية واحدة في القوسين (بكل شئ) في القوسين (عليم) فإن فوق كل ذي علم، وهي تلك الوجودات في القوسين عليم، وهو الحق تعالى وتقدس.


1- راجع تفسير القمي 1: 35.

2- راجع التفسير العسكري المنسوب إلى الإمام (عليه السلام): 210 / 97.

3- راجع التفسير العسكري المنسوب إلى الإمام (عليه السلام): 215 / 99.

4- راجع تفسير القمي 2: 272، وبحار الأنوار 6: 287 / 8.

5- غافر (40): 11.

6- راجع تفسير الطبري 1: 186.

7- راجع تفسير الطبري 1: 186 - 187، وتفسير ابن كثير 1: 116.

8- راجع نفس المصدر.

9- راجع تفسير ابن كثير 1: 116 - 117.

10- راجع تفسير ابن كثير 1: 117.

11- تفسير الطبري 1: 187، تفسير ابن كثير 1: 117.

12- راجع تفسير الطبري 1: 191.

13- نفس المصدر.

14- تفسير الطبري 1: 194، وراجع الدر المنثور 1: 42.

15- راجع تفسير الطبري 1: 195.

16- راجع علم اليقين، الفيض الكاشاني 1: 381.

17- راجع بحار الأنوار 84: 199 / 6 و 344 / 19.

18- الأعراف (7): 29.