في بعض البحوث الاجتماعية

ثم اعلم يا أخي في الحقيقة والرقيقة: أن للحياة والممات في الاجتماع معنى أظهر وأجلى، وفيه مظهر القدرة الإلهية بالنحو الأوفر والأوفى، كنتم أمواتا ولا أثر لكم في الحياة، كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله (1)، كنتم تقتاتون الورق وتشربون الطرق وتأكلون القد، كنتم تذبحون أبناءكم وتستحيون نساءكم، وإذ كنتم بعيدين عن كافة الحضارات الإنسانية والدينية، فأصبحتم بنعمته إخوانا (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم) (2) فأصبحتم سلاطين على الأمة وشرفاء في الرعية، فانقلبتم إلى مظاهر التمدن ومجالي البشرية والارتقاء، فأحياكم الله عن تلك الميتة، ثم يميتكم أيضا بعد تلك الحضارة إلى ما هو أفحش من الأول وأوحش من البدو، لأجل استعمال الذرة الهيدروجينية والقنبلة الذرية، فتصبحون على أرض لا حياة فيها ولا استقرار عليها، ثم يحييكم حياة ثانية ومماتا ثالثا، وهكذا فإن هذه التطورات الاجتماعية، والتبدلات القومية، والاختلافات النسلية بيد الله رب العالمين، فكيف تكفرون بمثله تعالى وتقدس ؟! ثم مع ذلك كله بعد هذه الحركات الطبيعية والقسرية إليه ترجعون، ولا يتمكنون من الفرار من حكومته والخروج عن سلطنته، لأن جميع هذه الإماتات والإحياءات وتمام ما في الأرض والسماوات، تحت ظله وفي قبضة قدرته وعلمه، فلو كان اختيار المعاش الاجتماعي تحت اختيار العباد ليختار كل ما يناسب طبعه وميله بعد كون كلهم من العقلاء والشاعرين، ولا يصطفي أحدكم في أيام الصيف الحار دكة التكوير ولا عمل التبخير، ولا في أيام البرودة الشديدة إلا ما يناسبها، مع أن المكاسب الاجتماعية والمعايش البشرية، مما تحتاج إليها عائلة الإنسان في جميع الفصول والأوقات والأزمان، فلأية جهة يختار طائفة خاصة مصائب المجتمع في جميع الفصول، مع أن لهم ترك شغلهم هذا في الصيف إلى شغل آخر يناسبهم، وبالعكس في الشتاء ؟! فكيف يتعقل حل هذه المعضلة الاجتماعية إلا بمراجعة الوجدان وأن الغيب يتصرف في هذه الأمور، ويوجب ارتضاء البشر بما يشتغل به ارتضاء خاصا ؟! وما هذا إلا لأجل أن حياة المجتمع بيده تعالى، وإلا فالعاقل لا يصير إلا إلى ما يلائم طبعه، فليتدبر فيما أشير إليه، فإنه ربما يكون شبه برهان على تصرف الغيب في عالمنا، وليس مجرد خطابة وشعر، فتأمل جيدا.


1- آل عمران (3): 103.

2- النحل (16): 58.