جولة حول بعض المسائل الفقهية والأصولية
مسألة حرمة أكل التراب: قد اشتهر بينهم: حرمة أكل الطين إلا طين قبر الحسين (عليه السلام)، وبعض الطين الآخر للتداوي والاستشفاء (1)، ويمكن منع تحريمه الشرعي، لعدم الاعتياد عليه، فلا معنى للنهي المولوي التكليفي عنه بعد انزجار الطباع نوعا عنه. وربما يستدل على التحريم بقوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) فإنه يورث ممنوعية نفس الأرض والتراب والحجر وغير ذلك. ثم إن من التوهم جواز تصرف الكل في الكل، لأن ما في الأرض خلق للكل، فلا يخص بأحد دون أحد، وهذا هو الشركة والاشتراكية التي يلعب بها الشباب في هذه الأبواب وفي هذه الأيام والعصور.
مسألة أصالة الحظر وأصالة الإباحة: وأيضا يستدل بهذه الآية الكريمة على أن في المسألة الخلافية بين الأصوليين، يكون الحق مع القائلين بأصالة الإباحة دون من يقول بأصل الحظر، ضرورة أن الأشياء كلها مخلوقة لبني آدم ومباحة لهم، فنحتاج للمنع إلى دليل خاص. فبالجملة: الإباحيون الزنادقة يستدلون بها على أن الكل للكل، والإباحيون الفقهاء استدلوا بها على أن الأصل ذلك، وخرج ما خرج، ولزوم التخصيص الكثير بالعناوين مما لا بأس به، لتعارفه في القوانين، بعد كون الباقي تحت المطلق أيضا كثير جدا. أقول: في جميع هذه التسويلات نظر واضح واحد وهو أن أمثال هذه الآيات من قبيل الحديث المشهور: " يابن آدم خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي " (2)، أو خطابا إلى الرسول الأعظم الإسلامي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن اللام هنا ليس إلا للغاية من الخلقة، لرجوع منافع الأشياء وفوائدها إليهم، من غير نظر إلى مسألة تشريعية تحليلية وإباحية، بل هي آية تفيد مسألة كونية ومقصودا تكوينيا، فيكون ما لأجله الحركة هو الإنسان وما لأجله الإرادة والخلقة - مثلا - هو الإنسان والمجتمع البشري. فالاستدلال - مثلا - بهذه الآية على حلية أكل الأرنب من سوء الفهم، فإن الأرنب خلق لنا، لما في وجوده دفع مضرة عنا أو نفع إلينا، وهذا نظير التمسك بقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) (3) لجواز التصرف في بهيمة الغير، فإن الآية بصدد تحليل البهائم في قبال ما يحرم أكله ذاتا.
1- راجع جواهر الكلام 36: 355 - 370.
2- علم اليقين، الفيض الكاشاني 1: 381.
3- المائدة (5): 1.