مسائل الصرف واللغة

الآيتان الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

المسألة الأولى: حول كلمة " كيف " " كيف " وفيه أيضا " كي " نحو " سوف " و " سو "، اسم لا يحتوي على معنى مشخص وغير متمكن (1)، وسكون الفاء لغة عامية. ويخطر بالبال أنه يحتوي على السؤال عن الأوصاف الغريزية، فيقال: كيف زيد؟أصحيح أم سقيم؟ولا يقال: أقائم أم قاعد؟فهذا يشهد على خلاف رأي النحاة واللغويين كما صرحوا به في موضع آخر. وبالجملة: تستعمل على وجهين: الأول: أن تكون شرطا، فتدخل على فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين، نحو: كيف تصنع أصنع، وقالوا: لا يجوز " كيف تجلس أذهب " باتفاق (2). ويخطر بالبال: أنها ليست من أداة الشرط، بل تشتمل على معنى الشرط، ولذلك لا تجزم الفعلين، ولا يعتبر الاتفاق اللفظي، لكفاية الترادف بالضرورة. ثم من النحاة من يجوز الجزم (3)، وقيل: يجوز عند اقترانها ب? " ما " (4). الثاني: تأتي للاستفهام الحقيقي والإنشائي مريدا به المعنى الآخر، كالتعجب والنفي والتوبيخ، ولكونه معنى مستقلا واسما يقع خبرا، نحو " كيف أنت " (5). وفيه: أنه من السؤال والإنشاء، وليس إخبارا وخبرا، ولذلك لا يأتي عليه الصدق والكذب. نعم هو في حكم الخبر كسائر الجمل الاستفهامية. وتأتي حالا، فيقال: كيف جاء زيد؟أي على أي حال جاء؟ومفعولا مطلقا، نحو " كيف فعل ربك " ؟! أي: أي فعل فعل ربك ؟! وبالجملة: " كيف " في هذه الآية للاستفهام الإنشائي، وينتزع عنه التوبيخ.

المسألة الثانية: حول كلمة " أموات " " الأموات " جمع الميت، وقد يخفف - كسيد وسيد -: الذي فارق الحياة (6). وفي " التاج ": ولم يجعل العرب فرقا بين الصورتين في الاستعمال (7). وقيل: الأموات جمع " ميت "، كأبيات بيت (8). وجاء: مات يموت ويمات موتا، ضد " حيي " (9). وقيل بالفرق، مات الإنسان، ونفقت الدابة، وتنبل البعير، ومات يصلح في الحيوان والنبات والإنسان (10). انتهى ما عندهم. وفي " المفردات ": أنواع الموت بحسب أنواع الحياة: فالأول: ما هو بإزاء القوة النامية نحو (يحيي الأرض بعد موتها) (11). الثاني: زوال القوة الحاسة، قال: (يا ليتني مت قبل هذا) (12). الثالث: زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، نحو (أو من كان ميتا فأحييناه) (13). الرابع: الحزن المكدر للحياة، نحو (ويأتيه الموت من كل مكان) (14). الخامس: المنام، ومنه (الله يتوفى الأنفس حين موتها) (15) (16) والذي يظهر بعد التأمل: أن لكل شئ خاصة تترقب منه وتنتظر، وإذا زالت تلك الخاصة صح استناد الموت إليه، ومنه قوله تعالى: (يحيي الأرض بعد موتها)، فإن ذات الأرض ربما تموت وتزول خاصتها، ولا يمكن الزرع فيها، فإن الأرض بحسب قابلية الزرع على ثلاثة أقسام: فمنه الموات، والأرض الموات التي لا قابلية فيها للزرع، ولا تقبل قابلية الزرع. فعلى هذا إذا قيل: (كنتم أمواتا) يجوز أن يراد منه الوجود السابق على الحياة النباتية والحيوانية لما لا يكون فيه الخاصة، ويجوز أن يراد منه الوجود الحيواني، فإنه لا يترتب عليه الخاصة الإنسانية، ويجوز أن يراد منه الوجود الإنساني الجاهل الغافل الضال. وعلى كل تقدير يكون استعماله في الكل على نعت الحقيقة، ويجوز إطلاق الموت على الحي وبالعكس، باعتبار الخاصة الموجودة فيه وفقد الخاصة الأخرى.

المسألة الثالثة: حول كلمة " ثم " قد مر البحث حول حرف الفاء، وأما " ثم " فهو حرف عطف دال على الترتيب والتراخي، وقال ابن مالك: الفاء للترتيب باتصال * وثم للترتيب بانفصال (17) وقيل: تلحقه التاء، كما قيل: ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمة قلت: لا يعنيني (18) وفيه نظر، لجواز أن يكون هو حرف الإشارة، فمجيئه بالتاء عاطفا غير ثابت، والقرآن العزيز يخلو منه.

المسألة الرابعة: حول كلمة " أحيا " أحياه الله: جعله حيا، والنار: نفخ فيها حتى تحيى، والأرض: أخصبها بعد الجدب (19)، والأصل هي الحياة، وقد علمت مما مضى معنى الحياة فإنها الخاصة المترقبة من الشئ فإذا كان الجص حيا فلما فيه أثره، والأرض حية فلما فيها خاصتها وثمرتها، وهكذا، فالحياة غير الروح النباتي والحيواني والإنساني.

المسألة الخامسة: حول كلمة " إلى " قد مضى تفسير مفاد هيئات الماضي والمضارع، وهكذا مفاد " كان " وضمير الخطاب، ومعنى الباء، وبقي هنا تفسير " إلى "، فتأتي لمعان عند النحاة: الأولى: انتهاء الغاية الزمانية والمكانية، وفي دخول الغاية في المغيى خلاف محرر في الأصول، والحق عدمه إلا مع القرينة (20). والثانية: بمعنى المعية، نحو (من أنصاري إلى الله) (21) ويجوز حمله على: أنه من ينصرني إلى الإيمان بالله، وإلى دار الله والآخرة، وإلى ذات الله، وغير ذلك، فيكون للغاية الاعتبارية والمعنوية، كالسفر إلى الله. والثالثة: التبيين، نحو (رب السجن أحب إلي) (22)، ويحتمل الزيادة، أي: رب السجن محبوبي، ويجوز أن يستخرج نحو قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه) (23) فإنه الغاية الاعتبارية أيضا إلا أنها ليست من الغاية الاصطلاحية إلا فيما إذا ضم إليها الابتداء، نحو: سرت من البصرة إلى الكوفة، فإن " إلى " في الجملتين بمعنى واحد، فإذا قيل: نحن أقرب إلى الكوفة، فهو يرجع إلى مبدأ في الاعتبار، كما لا يخفى، فاغتنم. الرابعة: بمعنى " من " و " عند " والتوكيد، ولكن الكل حسب التحليل يرجع إلى معنى واحد، وإنما الاختلاف بحسب المصاديق وبعض الاعتبارات، فقوله تعالى: (وإليه ترجعون) أيضا يخرج على الغاية إلا أنه ليس من الزمانية والمكانية، فإن الرجوع إليه برفض مظاهر المادة والمدة وطرد شؤون الدنيا وعلاقات الشيطان، أمر صحيح ولو كان هو أقرب إلينا من حبل الوريد في جميع الأحيان والآنات. فما في كتب " المغني " وغيره من تكثير المعاني، غير واف بما هو المرام في هذه المباحث، فإنهم على دأبهم الباطل، ونحن على اجتهادنا الواسع.

المسألة السادسة: حول ألفاظ الآية التاسعة والعشرين قد مضى تفسير " الخلق " و " الأرض ". وأما " الجميع " فهو واضح المعنى، ويستعمل في إفادة العام المجموعي على أن يكون ذا أجزاء طبيعية أو اعتبارية. وهكذا قد مضى معنى الاستواء والتسوية في ذيل قوله تعالى (سواء عليهم أأنذرتهم). وهنا نكتة: وهي أن تعدية الاستواء ب? " إلى " التي هي للغاية، تفيد - مضافا إلى أنه معناه الإرادة والقصد والتوجه - أن هذا الأمر والقصد غاية، ومتأخر عن خلق الأرض في الآية الشريفة، أو في غير مقام، وأيضا قد مضى معنى السماء بحسب اللغة، ومعنى السبع أيضا واضح. بقي معنى " كل " وقد أكثروا له المعاني (24)، وفصلنا البحث حوله في الأصول (25)، والذي هو التحقيق أنه لتكثير الدخول دون الاستيعاب، وأما استفادة الفردية أو الجزئية فهو من القرائن الخارجية، كما أن الاستيعاب يستفاد من مقدمات الحكمة. والتفصيل في محله. ويشهد لذلك جواز قوله تعالى: (تدمر كل شئ) (26) فإنه ليس المقام مقام بيان الاستيعاب، ولا تلزم المجازية كما لا يخفى، ومضى شطر من البحث حوله عند قوله تعالى: (كلما أضاء لهم مشوا فيه) وذيل قوله تعالى: (كل شئ قدير)، وتبين هناك معنى الشئ أيضا. بقي الكلام في هيئة " عليم " ومادته. وأما المادة فتطلب من محاله بحسب الحقيقة، وأما بحسب المعنى اللغوي فهو واضح، وسيمر عليك توضيحه - إن شاء الله تعالى - في المحال المناسبة. وأما الهيئة: فعن سيبويه: هي للمبالغة (27)، ويكذبه قوله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم) (28)، لأنها ليست بصدد المبالغة، والتكثير غير المبالغة، لأن أعلمية فرد عن فرد لا تستلزم المبالغة بالضرورة، وذلك لأن المبالغة من المحسنات الشعرية، وهي إلى الكذب موزونة، فلا مبالغة في صورة الصدق وإبانة الواقع. نعم بناء على القول بأن المبالغة إفادة الكثرة الواقعية، وهيئات المبالغة في لسان العرب وضعت لإفادة صدور المادة من الفاعل كثيرا، أو قيامها به كثيرا، فلا منع من كون فعيل للمبالغة، وعندئذ لابد من الالتزام بأن هيئة فاعل وضعت لإفادة أصل التلبس دون التلبس الخاص، وإلا يلزم مجازية إطلاق " عالم " على من كثر علمه، فلا تخلط.


1- راجع أقرب الموارد 2: 1117.

2- نفس المصدر.

3- مغني اللبيب: 106.

4- نفس المصدر.

5- راجع أقرب الموارد 2: 1117.

6- أقرب الموارد 2: 1250.

7- راجع تاج العروس 1: 587.

8- المصباح المنير 2: 584.

9- راجع أقرب الموارد 2: 1250.

10- المصباح المنير 2: 584.

11- الروم (30): 50.

12- مريم (19): 23.

13- الأنعام (6): 122.

14- إبراهيم (14): 17.

15- الزمر (39): 42.

16- المفردات في غريب القرآن: 476 - 477.

17- راجع الألفية، ابن مالك: بحث عطف النسق، البيت 6.

18- الصحاح 4: 1882، أقرب الموارد 1: 95.

19- أقرب الموارد 1: 251.

20- راجع تحريرات في الأصول 5: 157.

21- الصف (61): 14.

22- يوسف (12): 33.

23- ق (50): 16، الواقعة (56): 85.

24- راجع مغني اللبيب: 100 - 105.

25- راجع تحريرات في الأصول 5: 207.

26- الأحقاف (46): 25.

27- مجمع البيان 1: 71.

28- يوسف (12): 76.