حول التوجيه الأخلاقي
(يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) (1). اللهم إنا ندعوك ونسألك الإيمان والعمل الصالح وأن تعيننا على ذلك، وتقوينا عليه بما هو عندك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. اللهم يا إلهي أنت تعلم أنا نؤمن بك راجين لما عندك من الثواب الجزيل والأجر الجميل، ومتمنين لجنتك، وخائفين من نارك، وهذا هو إيمان العبيد وعبادة الاجراء، فاجعلنا من عبادك المخلصين والصالحين، الذين يؤمنون بك وبما عندك حبا فيك وعشقا لك ومتدليا إلى حضرة ربوبيتك، ونرجو أن تعيننا على طاعتك وعبادتك، نظرا إلى جميل ذاتك وبهاء نفسك، حتى نكون من عبادك المخلصين ومن العابدين الأحرار، فلا يكون طمعنا فيك الجنة، ولا خوفنا من نارك، بل نهرب منك إليك، لما لا ملاذ ولا منجى ولا ملجأ لنا إلا أنت يا كريم. فيا أخي ويا شقيقي وعزيزي: إن راقم هذه السطور وكاتب هذا الدستور بعيد عن المحاسن الآدمية، ومنغمر في الرذائل الحيوانية، بل هو أضل وأذل، ولكنك أيها القارئ المخلص وصديقي الخالص لا تظن أن هذه الأمور وهذه الورطة وتلك الخطرات المهددة في الطريق استهزاء وسخرية ومجاز واستعارة، لا والله، كلا بالله، بل كل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والولي في كلماته، والأئمة (عليهم السلام) في الأخبار الصحيحة، حق لا مفر منها فخذ بيدك، وكن جاهدا في ليلك، وارج وتمن من ربك، وأخلص له وكن مريدا وجهه جدا، وعازما قطعا على هذا السفر، الذي أنت فيه وفي طريقه وفي وسطه، وعلى ذلك الجسر والصراط الذي تكون الدنيا أوله، والبرزخ وسطه، والآخرة منتهاه، والجنة وراءه، فالجحيم مسيطرة عليك من الجهات الست، ولا تنجو منها إلا بعد ما تتجاوز الصراط وتلك القنطرة الطويلة، فكن من شيعة الذين يقولون وينادون بأعلى أصواتهم: جزنا وهي خامدة (2)، جزنا وهي بعيدة عنا، ولا تلمسهم ولا يلمسونها، لأن الجحيم لأهلها، ولا تتجاوز إلى غيرهم، إن الدار الآخرة شاعرة حية مدركة تدري وتميز بين الأشقياء والسعداء، فلا تكون ظالمة ومتعدية بالضرورة، فعليك أن تكون مثالا لهم وممثلا لأمثالهم. ويا أيها العزيز والصديق: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا، فيكون هو تعالى في هذا المقصود والغرض الأعلى، وفي هداية الناس في نهاية اللطف والرحمة، وفي نهاية الجود والرحمة، فلا يتحاشى عن ذلك بضرب الأمثال، ولا يمتنع من توجيه الأنظار ولفت الأفكار، فأنت في دينك وفي مذهبك وفي طريقتك تكون مثله، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا تستحيوا في إظهار الحق وإبطال الباطل، ولا تستحيوا في توجيه الأمة وهدايتهم، (و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون) (3)، فكثير من الأخوان الصالحين وأهل العلم ورواد الحق والطالبين لأحكام الإسلام، يمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حياء واستحياء مخجلة وسترا، غفلة عن حقيقة الحال ذاهلة عن الأمر والمقصود العال، وقد حكي: أن عليا (عليه السلام) كان خشنا في ذات الله (4)، فشيعة علي (عليه السلام) خشنون في ذاته تعالى بإظهار الحقائق وإبراز الواقعيات وبيان المنكرات وإعلان المعروفات، ناظرين إلى ما لهم عند الله. من غير مراعاة حال الموقف والجهات العرفية، إلا إذا كان يرجع إلى أمر منكر أعظم، كما تحرر في الفقه. فالله تعالى لا يستحيي من الحق، وهذا نموذج وبرنامج ودستور وإيقاظ إلى أن تكون الأمة الإسلامية وعائلة البشر مثلا في التجنب عن الأباطيل وفي هداية الناس إلى الحق المبين، فوا ويلا ثم يا ويلا على الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، في أية مرحلة كانت من مراحل العالم ومن مقامات الإنسان، فإن نقض العهد قبيح، وقطع ما أمر الله به أن يوصل قبيح، والإفساد في الأرض قبيح، ولا يمكن سد هذه القبائح إلا بعد معرفة أبوابها، وبعد تحصيل مفاتيحها وزواياها، فعليك بالتدبر فيها والتأمل والتعمق حولها، والاجتهاد والقيام لأجلها برفضها وطردها، فإن القليل من الحرام حرام، فالقليل من نقض العهد والقطع والإفساد حرام، ولو كان في محيط الإنسان الصغير، فضلا عن القطر الكبير والمحيط الأعلى والأكبر. اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة ولينا، فامنن علينا بالحجة بظهور الحجة يا ألله.
1- يوسف (12): 88.
2- راجع علم اليقين، الفيض 2: 971.
3- آل عمران (3): 139.
4- راجع الإرشاد، المفيد 1: 161، وأعلام الورى: 138، وبحار الأنوار 21: 385 / 10.