بعض مسائل عرفانية
المسألة الأولى: حول الشرور والأسماء الإلهية أن الزيادة والازدياد والإنماء من الأسماء الإلهية الفرعية المندرجة في الاسم الكلي " الرب "، فهو تعالى لأجل كونه رب العالمين يزيد الإيمان في قلوب المؤمنين، ويزيد المرض في قلوب المنافقين. وقد تقرر: أن الربوبية الإلهية عامة نافذة لا يمكن الفرار عن تحت لوائها وحكومتها، ويكون لكل اسم من الأسماء الإلهية مظهر وظهور، ومن تلك الأسماء هو " الرب "، فيكون في العالم رب متوسط والحق المخلوق به والرب المربوب به. وهكذا يكون في العالم مظهر الازدياد والزيادة والإنماء في ناحية الشرور والمفاسد وفي جانب السيئات والإظلام، وذلك المظهر النفس الإنسانية، فإنها توجب زيادة المرض بإبقاء حالته وعدم العدول عن الباطل، فمن هو الزائد ويكون فاعل الزيادة بالمباشرة، هو نفسه الخبيثة الرذيلة المديمة الباقية على السوء باتباع الشهوات والشرور، فيزداد فيها الصفات السيئة والرذائل الشريرة، فتكون من هذه الجهة نامية وزائدة ومظهر قوله تعالى: (فزادهم الله مرضا). فلا يتخيل: أن الله تعالى يريد بإرادة مستقلة بدوية مباشرية زيادة المرض فيهم، بل كل شئ في ناحية الكمال مستند إليه بالذات، وفي ناحية الشرور مستند إليه بالعرض والاعتبار، لأن فعل الحق كما يصح أن يستند إلى الخلق، فيقال تارة: (الله يتوفى الأنفس) (1)، وأخرى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) (2)، وهكذا في ناحية الوحي، فيقال: (نزل به الروح الأمين على قلبك) (3) تارة، وأخرى: (وأوحى إلى عبده ما أوحى) (4)، وهكذا، كذلك فعل المتأخر والخلق فيما لا يزال يستند إليه تعالى على العكس، فيكون مباشر زيادة المرض نفس المريض، ولكن لما كان ذلك بإذن الله تعالى، وبتربيته على نظام أسمائه الإلهية، يستند إليه تعالى، فيعلم من هذه النسبة صحة كون كل شئ مظهر اسم من الأسماء الإلهية حتى في العدميات والتبعيات والشرور والسيئات.
المسألة الثانية: حول أنواع العذاب أن في قوله تعالى: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) إشعارا أحيانا بأن ذلك العذاب لهم، وليس عليهم، وهذا هو الذي قربناه في العلوم الحقيقية والاعتبارية، وقد مر تفصيله في بحوث سابقة. وإجماله: أن العذاب بين ما يكون متصلا ومنفصلا، فما كان متصلا فهو في قوس الصعود، ومن تبعات الذوات والنفوس والأخلاقيات والملكات والأفعال والأعمال، المكتسبة في هذه النشأة بالمبادئ المختلفة، الراجعة إلى سلسلة الآباء والأمهات وإلى الأشخاص والأفراد أنفسهم.
وما كان منفصلا فهو من الموجودات في قوس النزول، أعدت للكافرين الجاحدين والفاسقين الملحدين، وهيئت لهم حتى يتمكنوا - بعد الموت والفراغ عن المادة وبعد انقطاع الحركة والتبدلات - من إزالة الجهات الرذيلة والمفاسد السيئة المزاولة للانسان، المتأذي بها تأذيا لا حد له، ولا يمكن تعريفه فهذه النار من شؤون الرحمة العامة الإلهية التي تنال الفاسقين، وتوجب استراحتهم عن هموم المصاحبين المرجومين، ولأجله يصح أن يقال: (بشرهم بعذاب أليم)، ويصح أن يقال: (ولهم عذاب أليم). بل ترى في سورة الرحمن ما هو الأعجب من ذلك، حيث قال الله تعالى هناك: (يا معشر الجن والإنس...) إلى أن قال: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان) (5)، فإنه عد من الآلاء والنعماء حسب الظاهر. والله العالم بحقائق آياته. وعلى هذا النمط أساليب مختلفة من الكلام، وعليه يترتب الآثار الكثيرة في غير المقام، وبذلك يجمع بين شتات المآثير ومختلفات الآثار، كما يستجمع به العقل والنقل، ويساعد عليه البرهان والكشف والشهود والعرفان. والله ولي التوفيق، وعليه التكلان.
1- الزمر (39): 42.
2- السجدة (32): 11.
3- الشعراء (26): 193 - 194.
4- النجم (53): 10.
5- الرحمن (55): 33 - 36.