التفسير بالراي

واما الذي هابه اهل الظاهر، وزعموا من التكلم في معاني القرآن تفسيرا بالراي، فيجب الاحتراز منه، فهو ممااشتبه عليهم امره، ولم يمعنوا النظر في فحواه امعانا.

ولا بد ان نذكر نص الحديث أولا، ثم النظر في محتواه: (1).

1- روى أبوجعفر الصدوق باسناده عن الإمام امير المؤمنين (ع) قال: قال رسول اللّه (ع): قال اللّه - جل جلاله: ﴿ما آمن بي من فسر برايه كلامي﴾ (2).

2- وايضا روي عنه (ع) قال - لمدعي التناقض في القرآن: ﴿اياك ان تفسر القرآن برايك، حتى تفقهه عن العلما فانه رب تنزيل يشبه بكلام البشر، وهو كلام اللّه، وتأويله لا يشبه كلام البشر﴾ (3).

3- وايضا عن الإمام على بن موسى الرضا(ع) قال لعلي بن محمد بن الجهم: ﴿لا تؤول كتاب اللّه - عز وجل برايك، فان اللّه - عز وجل - يقول: ﴿وما يعلم تأويله الا اللّه والراسخون في العلم﴾ (4).

4- وروى أبوالنضر محمد بن مسعود العياشي باسناده عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق (ع) قال: ﴿من فسرالقرآن برايه فاصاب لم يؤجر، وان اخطا كان اثمه عليه﴾، وفي رواية اخرى: ﴿وان اخطا فهو ابعد من السما﴾ (5).

5- وروى الشهيد السعيد زين الدين العاملي، مرفوعا إلى النبى (ع) قال: ﴿من قال في القرآن بغير علم فليتبوامقعده من النار﴾، وقال: ﴿من تكلم في القرآن برايه فاصاب فقد اخطا﴾، وقال: ﴿من قال في القرآن بغير ما علم، جا يوم القيامة ملجما بلجام من نار﴾، وقال: ﴿اكثر ما اخاف على امتي من بعدي، رجل ينأول القرآن، يضعه على غير مواضعه﴾ (6).

واخرج ابوجعفر محمد بن جرير الطبري باسناده عن ابن عباس عن النبى (ع): ﴿من قال في القرآن برايه فليتبوا مقعده من النار﴾.

وفي رواية اخرى: ﴿من قال في القرآن برايه أوبما لايعلم﴾.

وايضا عنه: ﴿من قال في القرآن بغير علم فليتبوا مقعده من النار﴾.

وايضا: ﴿من تكلم في القرآن برايه فليتبوا مقعده من النار﴾.

وباسناده عن جندب عنه (ع): ﴿من قال في القرآن برايه فاصاب فقد اخطا﴾ (7).

وخص الطبري هذه الاحاديث بالاي التي لا سبيل إلى العلم بتأويلها الا ببيان الرسول (ع)، مثل تأويل ما فيه من وجوه امره: واجبه وندبه وارشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقاديراللازم بعض خلقه لبعض، وما اشبه ذلك من احكام آيه التي لم يدرك علمها الا ببيان الرسول لامته، وهذا وجه لايجوز لاحد القول فيه الا ببيان الرسول له بتأويله، بنص منه عليه، أوبدلالة نصبها دالة امته على تأويله.

قال: وهذه الاخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا: من ان ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه الابنص بيان الرسول أوبنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لاحد القيل فيه برايه، بل القائل في ذلك برايه وان اصاب الحق فيه فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برايه، لان اصابته ليست اصابة موقن انه محق، وانما هو اصابة خارص وظان، والقائل في دين اللّه بالظن قائل على اللّه ما لم يعلم، لان قيله فيه برايه ليس بقيل عالم، ان الذي قال فيه من قول حق وصواب، فهو قائل على اللّه ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نهى عنه وحظرعليه (8).

قلت: وهذا يعني العمومات الواردة في القرآن، الوارد تخصيصاتها في السنة ببيان الرسول، مثل قوله: ﴿اقيمواالصلاة﴾ و﴿آتوا الزكاة﴾ و﴿للّه على الناس حج البيت﴾ ونحوذلك مما ورد في القرآن عاما، وأوكل بيان تفاصيلها وشرائطها واحكامها إلى بيان رسول اللّه (ع) فلا يجوز شرح تفاصيلها الا عن اثر صحيح وهذا حق، غير ان حديث المنع غير ناظر إلى خصوص ذلك.

وروى الترمذي باسناده إلى ابن عباس عن النبى (ع) قال: ﴿اتقوا الحديث علي الا ما علمتم، فمن كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار، ومن قال في القرآن برايه فليتبوا مقعده من النار﴾ (9).

قال ابن الانباري: فسر حديث ابن عباس تفسيرين:

احدهما: من قال في مشكل القرآن بما لايعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين، فهو متعرض لسخط اللّه.

والاخر: -وهو اثبت القولين واصحهما معنى- من قال في القرآن قولا يعلم ان الحق غيره، فليتبوا مقعده من النار.

وقال: واما حديث جندب عن رسول الله (ع): ﴿من قال في القرآن برايه فاصاب فقد اخطا﴾ (10)، فحمل بعض اهل العلم هذا الحديث على ان الراي معنى به الهو ى من قال في القرآن قولا يوافق هو اه، لم ياخذه عن ائمة السلف، فاصاب فقد اخطا، لحكمه على القرآن بما لايعرف اصله، ولا يقف على مذاهب اهل الاثر والنقل فيه.

وقال ابن عطية: ﴿ومعنى هذا ان يسال الرجل عن معنى في كتاب اللّه عز وجل، فيتسور عليه برايه (11) دون نظر فيما قال العلما، واقتضته قوانين العلم كالنحووالاصول وليس يدخل في هذا الحديث، ان يفسر اللغويون لغته، والنحويون نحوه، والفقها معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فان القائل على هذه الص فة ليس قائلا بمجرد رايه﴾.

قال القرطبي - تعقيبا على هذا الكلام: هذا صحيح، وهو الذي اختاره غير واحد من العلما، فان من قال في القرآن بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالاصول فهو مخطئ، وان من استنبط معناه بحمله على الاصول المحكمة المتفق على معناها، فهو ممدوح.

وقال بعض العلما: ان التفسير موقوف على السماع، للامر برده إلى اللّه والرسول (12).

قال: وهذا فاسد، لان النهي عن تفسير القرآن لايخلو: اما ان يكون المراد به الاقتصار على النقل والسماع وترك الاستنباط، أوالمراد به امرا آخر وباطل ان يكون المراد به ان لا يتكلم احد في القرآن الا بما سمعه، فان الصحابة قد قرأوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبى (ع)، وقددعا لابن عباس: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ فان كان التأويل مسموعا كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك، وهذا بين لا اشكال فيه.

وانما النهي يحمل على احد وجهين:

احدهما: ان يكون له في الشي راي، واليه ميل من طبعه وهو اه، فيتأول القرآن على وفق رايه وهو اه، ليحتج على تصحيح غرضه ولولم يكن له ذلك الراي والهو ى، لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.

وهذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم ان ليس المراد بالاية ذلك، ولكن مقصوده ان يلبس على خصمه.

وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الاية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برايه وهو اه، فيكون قد فسر برايه، اي رايه حمله على ذلك التفسير، ولولا رايه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه.

وتارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم انه ما اريد به، كمن يدعوإلى مجاهدة القلب القاسي، فيقول: قال اللّه تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون انه طغى﴾ (13) ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى انه المراد بفرعون وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع لانه قياس في اللغة، وذلك غير جائز وقد تستعمله الباطنية (14) في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزلون القرآن على وفق رايهم ومذهبهم، على امور يعلمون قطعا انها غير مرادة.

فهذه الفنون احد وجهي المنع من التفسير بالراي.

الوجه الثاني: ان يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل، فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الالفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والاضمار والتقديم والتاخير فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالراي والنقل والسماع لا بد له منهما في ظاهر التفسير، أولا ليتقي بهما مواضع الغلط، ثم بعدذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم الا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل احكام الظاهر، الا ترى ان قوله تعالى: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها﴾ (15) معناه: آية مبصرة فظلموا انفسهم بقتلها فالناظر إلى الظاهر يظن ان الناقة كانت مبصرة، فهذا في الحذف والاضمار، وامثاله في القرآن كثير (16).

وهذا الذي ذكره القرطبي وشرحه شرحا وافيا، هو الصحيح في معنى الحديث، واكثر العلما عليه، بل وفي لحن الروايات الواردة عن الرسول (ع) ما يؤيد ارادة هذا المعنى، نظرا للاضافة في ﴿رايه﴾، اي رايه الخاص، يحأول توجيهه بما يمكن من ظواهر القرآن حتى ولواستلزم تحريفا في كلامه تعالى فهذا لا يهمه القرآن، انمايهمه تبرير موقفه الخاص باتخاذ هذا الراي الذي يحأول اثباته باية وسيلة ممكنة فهذا في الاكثر مفتر على اللّه، مجادل في آيات اللّه.

فقد روى ابوجعفر محمد بن على بن بابويه الصدوق باسناده إلى سعيد بن المسيب عن عبد الرحمان بن سمرة، قال: قال رسول اللّه (ع): ﴿لعن اللّه المجادلين في دين اللّه على لسان سبعين نبيا، ومن جادل في آيات اللّه فقد كفر، ومن فسر القرآن برايه فقد افترى على اللّه الكذب، ومن افتى الناس بغيرعلم فلعنته ملائكة السمأوات والارض، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار﴾ (17).

وروى ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني باسناده إلى الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر(ع) قال: ﴿ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: اللّه اعلم ان الرجل لينتزع بالاية فيخر بها ابعد مابين السما والارض﴾ (18).

وكذا إذا استبد برايه ولم يهتم باقوال السلف والماثور من احاديث كبار الائمة والعلما من اهل البيت (ع) وكذا سائر المراجع التفسيرية المعهو دة، فان من استبد برايه هلك، ومن ثم فانه ان اصاب احيانا فقد اخطاالطريق، ولم يؤجر.

روى أبوالنضر محمد بن مسعود بن عياش باسناده إلى الإمام جعفر بن محمدالصادق (ع) قال: ﴿من فسر القرآن برايه، ان اصاب لم يؤجر، وان اخطا فهو ابعد من السما﴾ (19)، إلى غيرهامن احاديث يستشف منها ان السر في منع التفسير بالراي امران:

احدهما: التفسير لغرض المرا والغلبة والجدال وهذا انما يعمد إلى دعم نظرته وتحكيم رايه الخاص، بمايجده من آيات متشابهة صالحة للتأويل إلى مطلوبه، ان صحيحا أوفاسدا، غير ان الاية لا تهدف ذلك لولاالالتوا بها في ذلك الاتجاه، ولذلك فانه حتى لواصاب في المعنى لم يؤجر، لانه لم يقصد تفسير القرآن، وانمااستهدف نصرة مذهبه ايا كانت الوسيلة.

وهذا ناظر في الاكثر إلى الايات المتشابهة لغرض تأويلها، فالنهي انما عنى التأويل غير المستند إلى دليل قاطع ﴿فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (20).

ثانيهما: التفسير من غير استناد إلى اصل ركين، اعتمادا على ظاهر التعبير محضا، فان هذا هو من القول بلا علم، وهو ممقوت لا محالة، ولا سيما في مثل كتاب اللّه الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن ثم فانه ايضا غير ماجور على عمله حتى ولواصاب المعنى، لانه أورد امرا خطيرا من غير مورده، والاكثر الغالب في مثله الخطا والضلال، وافترا على اللّه، وهو عظيم.

وقد اسلفنا كلام الراغب وشرحه بهذا الشان (21)، وكذا ما ذكره الزركشي في هذاالباب (22)، وقد كان كلامهما وافيا بجوانب الموضوع، لم يختلف عما ذكرناه هنا، فراجع.

ولكن نقل جلال الدين السيوطي عن ابن النقيب محمد بن سليمان البلخي (23) في مقدمة تفسيره:

ان جملة ما تحصل في معنى الحديث خمسة اقوال:

احدها: التفسير من غير حصول العلوم، التي يجوز معها التفسير.

ثانيها: تفسير المتشابه الذي لا يعلمه الا اللّه.

ثالثها: التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بان يجعل المذهب اصلا والتفسير تابعا، فيرد اليه باي طريق امكن، وان كان ضعيفا.

رابعها: التفسير بان مراد اللّه كذا على القطع من غير دليل.

خامسها: التفسير بالاستحسان والهو ى (24).

قلت: ويمكن ارجاع هذه الوجوه الخمسة إلى نفس الوجهين اللذين ذكرناهما، إذ الخامس يرجع إلى الثالث، والرابع والثاني يرجعان إلى الأول، فتدبر.


1- مما أورده العلامة المجلسي في بحار الانوار، كتاب القرآن، باب /10، ج89، ص 107 112، ﴿ط بيروت﴾.

2- الامالي للصدوق ﴿ط نجف﴾، ص 6، المجلس الثاني.

3- كتاب التوحيد، للصدوق، باب 36، الرد على الثنوية والزنادقة، ص 264، ﴿ط بيروت﴾.

4- عيون الاخبار، للصدوق، ﴿ط نجف﴾ ج1، ص 153، باب 14، ج1، آل عمران / 7.

5- مقدمة تفسير العياشي، ج1، ص 17، رقم2 و4.

6- بحار الانوار، ج89، ص 111 112، رقم20 عن آداب المتعلمين، للشهيد، ص 216 217.

7- تفسير الطبري، ج1، ص 27.

8- تفسير الطبري، ج1، ص 25 26 و27.

9- قال ابوعيسى الترمذي: هذا حديث حسن الجامع، ج5، ص 199، كتاب التفسير، باب 1،رقم2951.

10- جامع الترمذي، ج5، ص 200، رقم2952.

11- تسور الحائط: هجم عليه هجوم اللص وتسلقه ويعني به هنا: التهجم والاقدام بغير بصيرة ولا وعي.

12- في الاية رقم 59 من سورة النسا.

13- سورة طه / 24.

14- من اهل التصوف.

15- الاسراء/ 59.

16- راجع: تفسير القرطبي، ج1، ص 32 34.

17- كمال الدين للصدوق، ج1، ص 256 257، ب 24، رقم1 وعبد الرحمان بن سمرة بن حبيب العبشمي صحابي جليل، اسلم يوم الفتح وشهد غزوة تبوك مع النبى (ع) ثم شهد فتوح العراق، وهو الذي افتتح سجستان وغيرها في خلافة عثمان ثم نزل البصرة وكان يحدث بها روى عنه خلق كثير من التابعين توفي سنة ﴿50﴾ ﴿الاصابة، ج2، ص 401،رقم5134﴾.

18- الكافي الشريف، ج1، ﴿الاصول﴾، ص 24، رقم4.

19- تفسير العياشي، ج1، ص 17، رقم4.

20- آل عمران / 7.

21- ص 49 وراجع: مقدمته في التفسير، ص 93.

22- ص 54 وراجع: البرهان، ج2، ص 164 168.

23- توفي سنة 698.

24- الاتقان في علوم القرآن، ج4، ص 191.