سورة إبراهيم
(1): ﴿الَر كِتَابٌ﴾ هذا القرآن أو السورة كتاب ﴿أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الضلال إلى الهدى ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره ﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ طريق ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
(2): ﴿اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ خلقا وملكا ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
(3): ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يؤثرونها ﴿عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ﴾ الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ دينه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون لها زيغا فحذفت اللام وأوصل الفعل ﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق.
(4): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ بلغتهم ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما أتى به فيفهموه ويفهموه غيرهم ﴿فَيُضِلُّ اللّهُ﴾ يخذل ﴿مَن يَشَاء﴾ ممن أعرض عنه ﴿وَيَهْدِي﴾ بلطفه ﴿مَن يَشَاء﴾ ممن تدبر وتعقل ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الغالب المدبر بحكمته.
(5): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ المعجزات التسع ﴿أَنْ﴾ أي بأن أو أي ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ والإيمان ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ﴾ بنعمه وبلائه في الأيام العظام ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ التذكير ﴿لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على بلائه ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمائه.
(6): ﴿وَإِذْ﴾ اذكر إذ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ بالاستعباد وغيره ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ يستبقونهن للخدمة ﴿وَفِي ذَلِكُم﴾ الإنجاء أو العذاب ﴿بَلاء﴾ نعمة أو ابتلاء ﴿مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
(7): ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ أي أعلم ﴿رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ﴾ نعمي بالإيمان والطاعة ﴿لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ نعما ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ جحدتم النعم بالكفر والمعاصي ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ صرح بالوعد وعرض بالوعيد كما هي عادته تعالى.
(8): ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ لن تضروا إلا أنفسكم ﴿فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن شكركم ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود في الملأ الأعلى.
(9): ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ﴾ لا يعلم عددهم لكثرتهم ﴿إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلائل على صدقهم ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ عضوها على الرسل غيظا أو وضعوها عليها أمرا للرسل بالسكوت أو استهزاء بهم كمن غلبه الضحك أو وضعوا أيدي الرسل على أفواههم أو أريد بالأيدي النعم وهي ما نطقت به الرسل من الحجج أو ردوا حججهم من حيث جاءت بأن كتبوها ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ بزعمكم ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾ من الدين ﴿مُرِيبٍ﴾ موجب للريب.
(10): ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ﴾ رفع بالظرف والهمزة للإنكار ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ خالقها ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى توحيده ﴿لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ بعضها وهو حقه لسقوطه بالإسلام لا المظالم ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾ بلا مؤاخذة ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وقت الموت ﴿قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ لا تفضلونا بما يوجب إيثاركم علينا ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا﴾ من الأصنام ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ حجة واضحة لم يعتدوا بما جاءوا به من المعجزات واقترحوا غيرها.
(11): ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ كما قلتم ﴿وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالنبوة ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ بأمره وليس ما اقترحتم في وسعنا وإنما هو متعلق بمشيئته تعالى ﴿وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في أمورهم.
(12): ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ﴾ لا عذر لنا في ذلك ﴿وَ﴾ الحال أنه ﴿قَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ الموصلة أي معرفته ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ فإنه تعالى يكفيناكم ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإنه يكفيهم.
(13): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ حلفوا أن يخرجوهم إلا أن يصيروا كفرة مثلهم ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ إلى الرسل ﴿رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين.
(14): ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ﴾ أرضهم ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ في الخبر من آذى جاره أورثه الله داره ﴿ذَلِكَ﴾ الموعود به ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ في الحساب أو قيامي عليه رقيبا ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي عقابي وقرىء بالياء وصلا.
(15): ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ﴾ طلب الرسل من الله الفتح على الكفار والحكم بينهم أو سأله الكفار نصر المحق على المبطل ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي فأفلح الرسل وخسر الجبارون.
(16): ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامه وهو من الأضداد يصلاها ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ ماء يسيل من فروج الزناة في النار من القيح والدم.
(17): ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يشربه جرعة جرعة ﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ لا يقارب أن يزدرده لشؤمه ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ أي أسبابه ﴿مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ من جسده أو من كل جهة ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ فيستريح ﴿وَمِن وَرَآئِهِ﴾ أمامه ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ هو الخلود في النار أو من بعدها عذاب أشد منه.
(18): ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ ذرته ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ شديد الريح ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ﴾ عملوا في الدنيا ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي لا ينتفعون به يوم القيامة ﴿ذَلِكَ﴾ أي عملهم ﴿هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾ عن الحق أو عن النفع.
(19): ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها السامع ﴿أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ﴾ والحكمة ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
(20): ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ صعب.
(21): ﴿وَبَرَزُواْ لِلّهِ﴾ عبر بالماضي لتحققه أي يبرزون من قبورهم يوم القيامة لحكمه ﴿جَمِيعًا﴾ مجتمعين ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاء﴾ الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان وهم قادتهم المتبوعون انا كنا لكم تبعا فهل أنتم ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ﴾ إلى طريق الخلاص من العقاب ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ مفر ومنجى.
(22): ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ فرغ منه ودخل السعداء الجنة والأشقياء النار ﴿إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ بالبعث والجزاء فوفى لكم ﴿وَوَعَدتُّكُمْ﴾ خلاف ذلك ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ الوعد ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ تسلط وقهر فأجبركم ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ﴾ لكن دعائي إياكم إليه بالوسوسة ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ باختياركم ﴿فَلاَ تَلُومُونِي﴾ بدعائي لكم ﴿وَلُومُواْ أَنفُسَكُم﴾ حيث أجبتم ويدل على الاختيار وفيه رد على الجبرية والأشاعرة ﴿مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بمغيثي بفتح الياء وكسرها ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ بإشراككم إياي مع الله في الدنيا ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من قوله أو ابتداء وعيد من الله تعالى.
(23): ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ من الملائكة أو فيما بينهم ﴿سَلاَمٌ﴾.
(24): ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً﴾ كيف بينه جعل ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ كلمة التوحيد أو ما دعا إلى الحق ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ النخلة أو شجرة في الجنة أو شجرة بهذا الوصف وإن لم نشاهدها، وعن الباقر (عليه السلام) إنها النبي وفرعها علي وغصنها فاطمة وثمرها أولادها وورقها شيعتنا ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وفرعها﴾ رأسها ﴿فِي السَّمَاء﴾.
(25): ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ يعطي ثمرها كل ستة أشهر أو كل سنة أو كل وقت ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ بأمره ﴿وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾ يبينها ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون بتدبرها.
(26): ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر أو ما دعا إلى الباطل ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظل أو الكشوت أو ما لا ينتفع بها، وعن الباقر (عليه السلام): إنها بنو أمية ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اقتلعت جثتها ﴿مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ استقرار.
(27): ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ أي بكلمة التوحيد المتمكنة في قلوبهم بالحجة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ أي في القبر أو في الموقف ﴿وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ﴾ لا يثبتهم في الدارين بظلمهم وكفرهم ﴿وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء﴾ من تثبيت المؤمن وتخلية الكافر وكفره.
(28): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ﴾ أي شكرها ﴿كُفْرًا﴾ فوضعوها موضعه أو بدلوا نفسها كفرا أي سلبوها فاعتاضوا عنها بالكفر، وفي الصافي نحن والله نعمة الله وبنا يفوز من فاز ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ﴾ أتباعهم ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ الهلاك.
(29): ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ المقر هي.
(30): ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا﴾ أمثالا ﴿لِّيُضِلُّواْ﴾ بفتح الياء وضمها ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾ عن دينه ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾ في دياركم أمر تهديد ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ما لكم إلى الخلود فيها.
(31): ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ مقول قل محذوف دل عليه جوابه أي قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا ﴿يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ﴾ لا افتداء ﴿فِيهِ﴾ بمال ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾ أي صدقة نافعة.
(32): ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا﴾ طعاما ولباسا وهو مفعول أخرج ﴿لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته إلى مقاصدكم ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾ العذبة لانتفاعكم.
(33): ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾ جاريين لا يفتران لمصالحكم ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لسبأتكم ﴿وَالنَّهَارَ﴾ لمعاشكم.
(34): ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ شيئا ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ﴾ أي أنعامه ﴿لاَ تُحْصُوهَا﴾ لا تطيقوا عدها لعدم تناهيها ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ﴾ كثير الظلم للنعمة بترك شكرها أو لنفسه بالمعاصي ﴿كَفَّارٌ﴾ شديد الكفران أو ظلوم في الشدة يجزع كفار في النعمة يمنع.
(35): ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ مكة ﴿آمِنًا﴾ ذا أمن لمن فيه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ عن ﴿أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾.
(36): ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ بعبادتهم لهن ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ على ديني ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي بعضي لشدة اختصاصه بي ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
(37): ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ بعضها وهو إسماعيل ومن ولد منه قال الباقر (عليه السلام) نحن بقية تلك العترة وكانت دعوة إبراهيم لنا ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ هو وادي مكة ﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ الذي حرمت التعرض له أو منعت منه الطوفان ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ عند بيتك ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي﴾ تحن وتميل ﴿إِلَيْهِمْ﴾ قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم ولحجت اليهود والنصارى ﴿وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ لك فأجاب الله دعاءه.
(38): ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي﴾ ما نسر ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ نظهر ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾ من قول إبراهيم أو تصديق من الله لإبراهيم.
(39): ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ مع كبر السن واليأس من الولد ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ ولد وله تسع وتسعون سنة ﴿وَإِسْحَقَ﴾ ولد وله مائة واثنتا عشرة ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ مجيبه.
(40): ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي﴾ بلطفك ﴿مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ اجعل منهم من يقيمها ولم يدع للكل لإعلام الله أن فيهم كفارا ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ بالياء وبدونها.
(41): ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ يثبت كالقائم على رجله أي يقوم أهله له.
(42): ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يؤخر عقابهم ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ أبصارهم فلا تستقر أو لا تنطبق للرعب من هول المطلع.
(43): ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين وينظرون في ذل وخشوع ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافعيها إلى السماء ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ لا يغمضون عيونهم بل هي شاخصة دائما ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ قلوبهم خالية من العقل للدهشة والفزع أو خالية من الخير.
(44): ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ هو يوم القيامة أو يوم الموت ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد من الزمان قريب ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ بالتوحيد ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ﴾ في الدنيا ﴿مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ عنها إلى الآخرة.
(45): ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر والتكذيب من الأمم الماضية ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ بتواتر أخبارهم ومعاينة آثارهم ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ من صنوف العقوبات ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ بينا لكم صفات ما فعلوا وفعل بهم.
(46): ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ جهدوا في إبطال أمر الرسل أو أمر محمد والمراد قريش ﴿وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي عمله أو جزاؤه ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ إن نافية واللام لتأكيد النفي أي مكرهم أضعف من أن يزيل ما هو كالجبال الثابتة وهو دين الرسل أو دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) أو مخففة أي وإن الشأن كان مكرهم العظيم معدا لذلك ولذا قرىء بفتح اللام ورفع نزول.
(47): ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ قدم ثاني المفعولين ليعلم أنه لا يخلف وعده مطلقا فكيف يخلف رسله ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾ غالب لا يغالب ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ من الكفرة.
(48): ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ ظرف للانتقام أو منصوب باذكر مقدرا ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وتبدل السموات غيرها، عنهم (عليهم السلام) تبدل الأرض خبزة نقية يأكل الناس منها حتى يفرغ من الحساب ﴿وَبَرَزُواْ﴾ من قبورهم ﴿للّهِ﴾ لمحاسبته ﴿الْوَاحِدِ﴾ الذي لا نظير له ﴿الْقَهَّارِ﴾ لكل ما سواه.
(49): ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ في القيود مشدودين مع الشياطين أو يقرن بعضهم ببعض أو يقرن أيديهم وأرجلهم إلى ورائهم.
(50): ﴿سَرَابِيلُهُم﴾ قمصهم ﴿مِّن قَطِرَانٍ﴾ دهن أسود لزج منتن تشتعل فيه النار بسرعة أو من صفر مذاب متناه حره ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾ تعلوها خصت بالذكر لأنها أعز الأعضاء وأشرفها فعبر بها عن الكل.
(51): ﴿لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ﴾ متعلق ببرزوا ﴿مَّا كَسَبَتْ﴾ إن خيرا فخير وإن شرا فشر ﴿إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إذ لا يشغله شيء عن شيء.
(52): ﴿هَذَا﴾ أي القرآن أو السورة ﴿بَلاَغٌ﴾ كفاية ﴿لِّلنَّاسِ﴾ لينصحوا ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ بهذا البلاغ ﴿وَلِيَعْلَمُواْ﴾ بتأمل دلائله ﴿أَنَّمَا هُوَ﴾ أي الله ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ﴾ يتذكر أي يتعظ ﴿أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ذوو العقول.