الآيات 21-30
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ﴿21﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿22﴾ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴿23﴾ أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى ﴿24﴾ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى ﴿25﴾ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى ﴿26﴾ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى ﴿27﴾ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴿28﴾ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿29﴾ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ مِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ﴿30﴾
القراءة:
قرأ ابن كثير غير ابن فليح ضئزى بالهمز والباقون بغير همز.
الحجة:
قال أبو علي قوله ﴿تلك إذا قسمة ضيزى﴾ أي ما نسبتموه إلى الله سبحانه من اتخاذ البنات قسمة جائرة وقولهم قسمة ضيزى ومشية حيكى حمله النحويون على أنه في الأصل فعلى بالضم وإن كان اللفظ على فعلى كما أن البيوت والعصي في الأصل فعول وإن كانت الفاء مكسورة وإنما حملوها على أنها فعلى لأنهم لم يجدوا شيئا من الصفات على فعلى كما وجدوا الفعلى والفعلى وقال أبو عبيدة ضزته حقه وضزته أضوزه أي نقصته ومنعته فمن جعل العين منه واوا فالقياس أن يقول ضوزى وقد حكي ذلك فأما من جعله ياء من قولك ضزته فكان القياس أيضا أن يقول ضوزى ولا يحتفل بانقلاب الياء إلى الواو لأن ذلك إنما ذكره في بيض وعين جمع بيضاء وعيناء لقربه من الطرف وقد بعد من الطرف هاهنا بحرف التأنيث وليست هذه العلامة في تقدير الانفصال كالتاء فكان القياس أن لا يحفل بانقلابها إلى الواو.
المعنى:
ثم قال سبحانه منكرا على كفار قريش قولهم الملائكة بنات الله والأصنام كذلك ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ أي كيف يكون ذلك كذلك وأنتم لو خيرتم لاخترتم الذكر على الأنثى فكيف أضفتم إليه تعالى ما لا ترضونه لأنفسكم ﴿تلك إذا قسمة ضيزى﴾ أي جائرة غير معتدلة بمعنى أن القسمة التي قسمتم من نسبة الإناث إلى الله تعالى وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ أي ليس تسميتكم لهذه الأصنام بأنها آلهة وأنها بنات الله إلا أسامي لا معاني تحتها لأنه لا ضر عندها ولا نفع فهي تسميات ألقيت على جمادات ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ أي لم ينزل الله كتابا لكم فيه حجة بما تقولونه عن مقاتل ثم رجع إلى الأخبار عنهم بعد المخاطبة فقال ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ الذي ليس بعلم ﴿وما تهوى الأنفس﴾ أي وما تميل إليه نفوسهم ﴿ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ أي البيان والرشاد بالكتاب والرسول عجب سبحانه من حالهم حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان ثم أنكر عليهم تمنيهم شفاعة الأوثان فقال لهم ﴿أم للإنسان﴾ أي للكافر ﴿ما تمنى﴾ من شفاعة الأصنام ﴿فلله الآخرة والأولى﴾ فلا يملك فيهما أحد شيئا إلا بإذنه وقيل معناه بل للإنسان ما تمنى من غير جزاء لا ليس الأمر كذلك لأن لله الآخرة والأولى يعطي منهما من يشاء ويمنع من يشاء وقيل معناه ليس للإنسان ما تمنى من نعيم الدنيا والآخرة بل يفعله الله تعالى بحسب المصلحة ويعطي الآخرة للمؤمنين دون الكافرين عن الجبائي وهذا هو الوجه الأوجه لأنه أعم فيدخل تحته الجميع ثم أكد ذلك بقوله ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا﴾ جمع الكناية لأن المراد بقوله ﴿وكم من ملك﴾ الكثرة ﴿إلا من بعد أن يأذن الله﴾ لهم في الشفاعة ﴿لمن يشاء ويرضى﴾ لهم أن يشفعوا فيه أي من أهل الإيمان والتوحيد قال ابن عباس يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه كما قال ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ثم ذم سبحانه مقالتهم فقال ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي لا يصدقون بالبعث والثواب والعقاب ﴿ليسمون الملائكة تسمية الأنثى﴾ حين زعموا أنهم بنات الله ﴿وما لهم به﴾ أي بذلك التسمية ﴿من علم﴾ أي ما يستيقنون أنهم إناث وليسوا عالمين ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ الذي يجوز أن يخطىء ويصيب في قولهم ذلك ﴿و إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ الحق هنا معناه العلم أي الظن لا يغني عن العلم شيئا ولا يقوم مقام العلم ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال ﴿فأعرض﴾ يا محمد ﴿عن من تولى عن ذكرنا﴾ ولم يقر بتوحيدنا ﴿ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ فمال إلى الدنيا ومنافعها أي لا تقابلهم على أفعالهم واحتملهم ولا تدع مع هذا وعظهم ودعاءهم إلى الحق ﴿ذلك مبلغهم من العلم﴾ أي الإعراض عن التدبر في أمور الآخرة وصرف الهمة إلى التمتع باللذات العاجلة منتهى علمهم وهو مبلغ خسيس لا يرضى به لنفسه عاقل لأنه من طباع البهائم أن يأكل في الحال ولا ينتظر العواقب وفي الدعاء اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ﴿إن ربك﴾ يا محمد ﴿هو أعلم﴾ منك ومن جميع الخلق ﴿بمن ضل عن سبيله﴾ أي بمن جار وعدل عن سبيل الحق الذي هو سبيله ﴿وهو أعلم بمن اهتدى﴾ إليها فيجازي كلا منهم على حسب أعمالهم.