الآيات 49-52

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿49﴾ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿50﴾ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿51﴾ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ﴿52﴾

القراءة:

القراءة المشهورة ﴿لن يصيبنا﴾ وقرأ طلحة بن مصرف قل هل يصيبنا وكذلك هو في مصحف ابن مسعود.

النزول:

قيل إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما استنفر الناس إلى تبوك قال انفروا لعلكم تغنمون بنات الأصفر فقام جد بن قيس أخو بني سلمة بن بني الخزرج فقال يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني ببنات الأصفر فإني أخاف أن أفتتن بهن فقال قد أذنت لك فأنزل الله تعالى ﴿ومنهم من يقول ائذن لي﴾ الآيات عن ابن عباس ومجاهد فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لبني سلمة من سيدكم قالوا جد بن قيس غير أنه بخيل جبان فقال (عليه السلام) وأي داء أدوى من البخل بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن المعرور فقال في ذلك حسان بن ثابت:

وقال رسول الله والقول لاحق

بمن قال منا من تعدون سيدا

فقلنا له جد بن قيس على الذي

نبخله فينا وإن كان أنكدا

فقال وأي الداء أدوى من الذي

رميتم به جدا وإن كان أمجدا

وسود بشر بن البراء لجوده

وحق لبشر ذي الندا أن يسودا

إذا ما أتاه الوفد أنهب ماله

وقال خذوه إنه عائد غدا

المعنى:

﴿ومنهم﴾ أي ومن المنافقين ﴿من يقول ائذن لي﴾ في القعود عن الجهاد ﴿ولا تفتني﴾ ببنات الأصفر عن ابن عباس ومجاهد قال الفراء سميت الروم أصفر لأن حبشيا غلب على ناحية الروم وكان له بنات قد أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفرا لعسا وقيل معناه لا تؤثمني أي لا توقعني في الإثم بالعصيان لمخالفة أمرك بالخروج إلى الجهاد وذلك غير متيسر لي عن الحسن وقتادة والجبائي والزجاج ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ معناه ألا في العصيان والكفر وقعوا بمخالفتهم أمرك في الخروج والجهاد وقيل معناه لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر ألا قد سقطوا في حر أعظم من ذلك وهو حر نار جهنم عن أبي مسلم ويدل عليه قوله ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا﴾ ﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ أي ستحيط بهم فلا مخلص لهم منها ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم﴾ هذا خطاب من الله سبحانه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ومعناه أن تلك نعمة من الله وفتح وغنيمة يحزن المنافقون ﴿وإن تصبك مصيبة﴾ معناه وإن تصبك شدة ونكبة وآفة في النفس أو المال ﴿يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل﴾ أي أخذنا حذرنا واحترزنا بالقعود من قبل هذه المصيبة عن مجاهد ومعناه أخذنا أمرنا من مواضع الهلكة فسلمنا مما وقعوا فيه ﴿ويتولوا وهم فرحون﴾ أي رجعوا إلى بيوتهم فرحين بما أصاب المؤمنين من الشدة ﴿قل﴾ يا محمد لهم ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ أي كل ما يصيبنا من خير أو شر فهو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ من أمرنا وليس على ما تظنون وتتوهمون من إهمالنا من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير عن الحسن وقيل معناه لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا في القرآن من النصر الذي وعدنا وأنا نظفر بالأعداء فتكون النصرة حسني لنا أو نقتل فتكون الشهادة حسني لنا أيضا أي فقد كتب الله لنا ما يصيبنا وعلمنا ما لنا فيه من الحظ عن الزجاج والجبائي ﴿هو مولانا﴾ أي هو مالكنا ونحن عبيده وقيل هو ولينا وناصرنا يحفظنا ويتولى حياطتنا ودفع الضرر عنا ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين بالتوكل عليه والرضا بتدبيره وتقديره فليتوكل على الله المؤمنون ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ معناه هل تنتظرون لنا إلا إحدى الخصلتين الحميدتين والنعمتين العظيمتين إما الغلبة والغنيمة في العاجل وإما الشهادة مع الثواب الدائم في الآجل عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم وهل وإن كان حرف الاستفهام فمعناه هنا التقريع بالتربص المؤدي صاحبه إلى كل ما كرهه من خيبة وفوز خصمه ومن هلاكه ونجاة خصمه ومن شقوته وسعادة خصمه ﴿ونحن نتربص بكم﴾ أي ونحن نتوقع بكم ﴿أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾ أي يوقع الله بكم عذابا من عنده يهلككم به أو بأن ينصرنا عليكم فيقتلكم بأيدينا ﴿فتربصوا﴾ صورته صورة الأمر والمراد به التهديد كقوله ﴿اعملوا ما شئتم﴾ لأنه لو كان أمرا لهم لكانوا في تربصهم بالمؤمنين القتل مطيعين الله ﴿إنا معكم متربصون﴾ أي منتظرون إما الشهادة والجنة وإما الغنيمة والأجر لنا وإما البقاء في الذل والخزي وإما الموت أو القتل مع المصير إلى النار لكم وهذه الآية تفسير لقوله تعالى ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ وقيل معناه فتربصوا هلاكنا فإنا متربصون هلاككم وقيل تربصوا مواعيد الشيطان في إبطال دين الله ونحن متربصون مواعيد الله في إظهار دينه ونصرة نبيه واستئصال مخالفيه.