الآيات 1 - 8
﴿أَلْهَـكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسئَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾
سبب النّزول:
المفسّرون - كما أشرنا - يعتقدون أنّ السّورة نزلت في قبائل كانت تتفاخر على بعضها بكثرة الأموال والأنفس حتى أنّها كانت تذهب إلى المقابر وتعدّ موتاها لترفع احصائية أفراد القبيلة.
بعضهم قال: إنّ المقصود قبيلتان من قريش في مكّة، وبعضهم قال إنّهما قبيلتان من قبائل الأنصار في المدينة، وقيل: إنّه إشارة إلى تفاخر اليهود على غيرهم، ويبدو أن الأوّل أصح لمكان مكّية هذه السّورة.
سبب النزول - مهما كان - فهو لا يحد قطعاً معنى الآية.
التّفسير:
بلاء التكاثر والتفاخر:
الآيات الاُولى توجّه اللوم إلى المتكاثرين المتفاخرين وتقول: (ألهاكم التكاثر) في الأنفس والاموال.
حتى إنّكم ذهبتم إلى المقابر لتستكثروا أفراد قبيلتكم: (حتى زرتم المقابر).
واحتمل بعض المفسّرين في تفسير الآية أنّ المعنى هو: إنّكم انشغلتم بالتكاثر والتفاخر حتى لحظة موتكم وورودكم إلى المقابر.
لكن المعنى الأوّل أكثر انسجاماً مع عبارة (حتى زرتم المقابر) ومع سبب النزول، وخطبة نهج البلاغة كما سنشير إلى ذلك.
"ألهاكم" من "اللهو" وهو الإنشغال بالأعمال الصغيرة والإنصراف عن المهام الكبيرة.
والراغب يفسّر اللهو بالعمل الذي يُشغل الإنسان ويصرفه عن مقاصده وأهدافه.
"التكاثر" يعني التفاخر والمباهاة "زرتم" من الزيارة و"زَور" (على وزن قول) في الأصل بمعنى أعلى الصدر، ثمّ استعمل للقاء والمواجهة.
و"زَوَر" (على وزن قمر) بمعنى انحراف أعلى الصدر، والكذب لإنحرافه عن الحق سمّي (زوراً) - على وزن نور-.
"المقابر" جمع مقبرة، وهي مكان دفن الميت.
وزيارة المقابر إمّا أن تكون كناية عن الموت.
أو بمعنى الذهاب إلى المقابر وإحصاء الموتى بهدف التكاثر في الأنفس والتفاخر بالعدد (حسب التّفسير المشهور).
وذكرنا أن المعنى الثّاني أصح.
وأحد شواهده كلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، بعد أن تلا: (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) قال:
"يا له أمر ما أبعده! وزوراً ما أغفله! وخطراً ما أفظعه! لقد استخلوا منهم أي مدّكر وتناوشوهم من مكان بعيد.
أفبمصارع آبائهم يفخرون؟!
أو بعديد الهلكى يتكاثرون؟!
يرتجعون منهم أجساداً خوت، وحركات سكنت، ولأن يكونوا عبراً أحق من أن يكونوا مفتخراً!!" (1).
هذه الخطبة قسم من خطبة عظيمة يقول عنها ابن أبي الحديد المعتزلي:
"وأقسم بمن تقسم الاُمم كلّها به; لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرّة، ما قرأتها قط إلاّ وأحدثت عندي روعة وخوفاً وعظة، وأثرت في قلبي وجيباً، وفي أعضائي رعدة، ولا تأملتها إلاّ وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي، وأرباب ودي، وخيلت في نفسي أنّي أنّا ذلك الشخص الذي وصف عليه السلام حاله.
وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى! وكم وقفت على ما قالوه وتكرر وقوفي عليه! فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي; فإمّا أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله، أو كانت نية القائل صالحة، ويقينه كان ثابتاً، وإخلاصه كان محضاً خالصاً، فكان تأثير قوله في النفوس أعظم وسريان موعظته في القلوب أبلغ" (2).
ويقول في مكان آخر: "ينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلي عليهم أن يسجدوا" ثمّ يشير إلى قول معاوية حول فصاحة الإمام علي (ع) : "واللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره".
الآيات التالية فيها تهديد شديد لهؤلاء المتكاثرين، تقول: (كلاّ سوف تعلمون) فليس الأمر كما ترون، وبه تتفاخرون.
بل سوف تعلمون عاجلاً نتيجة هذا التكاثر الموهوم.
لمزيد من التأكيد يقول سبحانه: (ثمّ كلاّ سوف تعلمون).
جمع من المفسّرين ذهبوا إلى أنّ الآيتين تكرار لموضوع واحد وتأكيد عليه.
وكلتاهما تشيران إلى العذاب الذي ينتظر هؤلاء المتكاثرين المتفاخرين.
وبعضهم قال: إنّ الأولى إشارة إلى عذاب القبر والبرزخ والثّانية إلى عذاب القيامة.
وروي عن أمير المؤمنين علي (ع) قال: "ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ألهاكم التكاثر، إلى قوله :كلا سوف تعلمون، يريد في القبر، ثمّ كلا سوف تعلمون، بعد البعث" (3).
في التّفسير الكبير للفخر الرازي عن زربن حبيش أحد أصحاب الإمام علي (ع) قال: كنّا في شك في عذاب القبر حتى سألنا عليّاً فأخبرنا أن هذه الآية دليل على عذاب القبر. (كلا لو تعلمون علم اليقين).
كلا ليس الأمر كما تظنون أيّها المتفاخرون المتكاثرون.
فلو إنّكم تعلمون الآخرة علم اليقين، لما اتجهتم إلى التفاخر والمباهاة بهذه المسائل الباطلة.
ولمزيد من التأكيد والإنذار تقول لهم الآيات التالية: (لترون الجحيم، ثمّ لترونها عين اليقين، ثمّ لتسئلن يومئذ عن النعيم) في ذلك اليوم عليكم أن توضحوا كيف انفقتم تلك النعم الإلهية.
وهل استخدمتموها في طاعة اللّه أم في معصيته، أم أنّكم ضيعتم النعمة ولم تؤدّوا حقّها؟
1- نهج البلاغة، الخطبة 221.
2- شرح نهج البلاغة، ج11، ص153.
3- مجمع البيان، ج10، ص534.