مناقشة ادعاء نسخ آية: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم)
تأليف سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي - عدد القراءات: 8850 - نشر في: 09-ابريل-2007م

مناقشة ادعاء نسخ آية: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم)

 

﴿" فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾(1).

 

فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وذهب آخرون إلى أنها ناسخة لها.

والحق: أنها ليست ناسخة ولا منسوخة، وتحقيق ذلك يحتاج إلى مزيد من البسط في الكلام.

 

أحكام الكافر المقاتل: المعروف بين الشيعة الإمامية أن الكافر المقاتل يجب قتله ما لم يسلم، ولا يسقط قتله بالأسر قبل أن يثخن المسلمون الكافرين، ويعجز الكافرون عن القتال لكثرة القتل فيهم، وإذا أسلم ارتفع موضوع القتل، وهو الكافر، وأما الأسر بعد الإثخان فيسقط فيه القتل، فإن الآية قد جعلت الإثخان غاية لوجوب ضرب الرقاب. (ومن الواضح: أن الحكم يسقط عند حصول غايته، ويتخير ولي الأمر في تلك الحال بين استرقاق الأسير، وبين مفاداته، والمن عليه من غير فداء، من غير فرق في ذلك بين المشرك وغيره من فرق الكفار، وقد ادعي الإجماع على ما ذكرناه من الأحكام، والمخالف فيها شاذ لا يعبأ بخلافه، "وسيظهر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى).

 

وهذا الذي ذكروه يوافق ظاهر الآية الكريمة من جميع الجهات إذا كان شد الوثاق هو الاسترقاق، باعتبار أن معنى شد الوثاق هو عزله عن الاستقلال ما لم يمن عليه أو يفاد، وأما إذا لم يكن شد الوثاق بمعنى الاسترقاق، فلا بد من إضافة الاسترقاق إلى المفاداة والمن للعلم بجوازه من أدلة أخرى، فيكون ذلك تقييدا لإطلاق الآية بالدليل.

 

وقد وردت الأحكام المذكورة فيما رواه الكليني، والشيخ الطوسي بإسنادهما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول كان أبي يقول أن للحرب حكمين: إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها، ولم يثخن أهلها، فكل أسير أخذ في تلك الحال فإن الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم، وتركه يتشحط في دمه حتى يموت وهو قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾(2).

 

ألا ترى أنه التخيير الذي خير الله الإمام على شيء واحد وهو الكفر وليس هو على أشياء مختلفة فقلت لجعفر بن محمد عليه السلام قول الله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، قال ذلك الطلب أن يطلبه الخيل حتى يهرب، فإن أخذته الخيل حكم ببعض الأحكام التي وضعت ذلك، والحكم الآخر إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها، فكل أسير أخذ على تلك الحال وكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار، إن شاء الله من عليهم فأرسلهم، وإن شاء فاداهم أنفسهم، وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا.

 

ووافقتا على سقوط القتل عن الأسير بعد الإثخان: الضحاك وعطاء، وصرح الحسن بذلك وأن الإمام بالخيار إما أن يمن أو يفادي أو يسترق.

 

وعلى ما ذكرناه فلا نسخ في الآية الكريمة، غاية الأمر أن القتل يختص بمورد، ويختص عدم القتل بمورد آخر من غير فرق بين أن تكون آية السيف متقدمة في النزول على هذه الآية، وبين أن تكون متأخرة عنها.

 

ومن الغريب: أن الشيخ الطوسي -في هذا المقام- نسب إلى أصحابنا أنهم رووا تخيير الإمام في الأسير بعد الإثخان بين القتل وبين ما ذكر من الأمور.

 

قال: " والذي رواه أصحابنا أن الأسير إن أخذ قبل انقضاء الحرب والقتال - بأن تكون الحرب قائمة، والقتال باق - فالإمام مخير بين أن يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، وليس له المن ولا الفداء، وإن كان أخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء الحرب والقتال كان - الإمام- مخيرا بين المن والمفاداة إما بالمال أو النفس، وبين الاسترقاق - وضرب الرقاب - ".

 

وتبعه على ذلك الطبرسي في تفسيره مع أنه لم ترد في ذلك رواية أصلا.

 

وقد نص الشيخ الطوسي بنفسه في كتاب المبسوط (المبسوط كتاب الجهاد، فصل في أصناف الكفار وكيفية قتالهم): "كل أسير يؤخذ بعد أن تضع الحرب أوزارها، فإنه يكون الإمام مخيرا فيه بين أن يمن عليه فيطلقه، وبين أن يسترقه وبى أن يفاديه، وليس له قتله على ما رواه أصحابنا وقد ادعى الإجماع والاخبار على ذلك: في المسألة السابعة عشرة من كتاب الفئ، وقسمة الغنائم من كتاب الخلاف.

 

ومن الذين ادعوا الإجماع على ذلك صريحا العلامة في كتابي " المنتهى والتذكرة " في أحكام الأسارى من كتاب الجهاد.

 

وفي ظني: أن كلمة " ضرب الرقاب " في عبارة " التبيان " إنما كانت من سهو القلم، وقد جرى عليه الطبرسي من غير مراجعة.

هذا هو مذهب علماء الشيعة الإمامية، والضحاك، وعطاء، والحسن.

 

آراء أخرى حول الآية: وأما بقية علماء أهل السنة فقد ذهبوا إلى أقوال:

1 - منهم من قال: " إن الآية نزلت في المشركين، ثم نسخت بآيات السيف "، نسب ذلك إلى قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريح، وابن عباس، وإلى كثير من الكوفيين، فقالوا: " إن الأسير المشرك يجب قتله، ولا تجوز مفاداته، ولا المن عليه بإطلاقه ".

 

ويرده:

أنه لا وجه للنسخ على هذا القول، فإن نسبة هذه الآية إلى آيات السيف نسبة المقيد إلى المطلق، سواء أكانت متقدمة عليها في النزول أم كانت متأخرة عنها. وقد أوضحنا -فيما سبق- أن العام المتأخر لا يكون ناسخا للخاص المتقدم، فكيف بالمطلق إذا سبقه المقيد (قد فصلنا الكلام في ذلك في بحث العموم والخصوص من كتابنا " أجود التقريرات ")؟.

 

2 - ومنهم من قال: "إن الآية نزلت في الكفار جميعا، فنسخت في خصوص المشرك" نسب ذلك إلى قتادة، ومجاهد، والحكم، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة.

 

ويرده:

أن هذا القول واضح البطلان كالقول السابق، فإن ذلك موقوف على أن تكون آيات السيف متأخرة في النزول عن هذه الآية، ولا يمكن القائل بالنسخ إثبات ذلك، ولا سند له غير التمسك بخبر الواحد، وقد أوضحنا أن خبر الواحد لا يثبت به النسخ إجماعا، ولو فرضنا ثبوت ذلك، فلا دليل على كون آيات السيف ناسخة لها، ليصح القول المذكور، بل تكون هذه الآية مقيدة لآيات السيف، وذلك: لإجماع الأمة على أن هذه الآية قد شملت المشركين أو أنها مختصة بهم، وعلى ذلك كانت الآية المباركة قرينة على تقييد آيات السيف لما أشرنا إليه آنفا من أن المطلق لا يصلح أن يكون ناسخا للمقيد، وإذا أغمضنا عن ذلك كانت هذه الآية الكريمة معارضة لآيات السيف بالعموم من وجه، ومورد الاجتماع هو المشرك الأسير بعد الإثخان، ولا مجال للالتزام بالنسخ فيه.

 

3 - ومنهم من قال: " إن الآية ناسخة الآية السيف " نسب ذلك إلى الضحاك وغيره ".

 

ويرده:

أن هذا القول، يتوقف على إثبات تأخر هذه الآية في النزول عن آيات السيف، ولا يمكن هذا القائل إثبات ذلك، على أنا قد أوضحنا - فيما تقدم - أنه لا موجب للالتزام بالنسخ، تأخرت الآية في النزول عن آيات السيف، أم تقدمت عليها.

 

4- ومنهم من قال: "إن الإمام مخير في كل حال بين القتل والاسترقاق والمفاداة والمن "، رواه أبو طلحة عن ابن عباس، واختاره كثير: منهم ابن عمر، والحسن، وعطاء، وهو مذهب مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي وأبي عبيد، وغيرهم.

 

وعلى هذا القول فلا نسخ في الآية قال النحاس بعدما ذكر هذا القول: " وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما، وهو قول حسن لان النسخ إنما يكون بشيء قاطع، فأما إذا أمكن العمل بالآيتين، فلا معنى في القول بالنسخ.

وهذا القول يروى عن أهل المدينة، والشافعي، وأبي عبيد ".

 

ويرده:

أن هذا القول وإن لم يستلزم نسخا في الآية، إلا أنه باطل أيضا، لان الآية الكريمة صريحة في أن المن والفداء إنما هما بعد الإثخان فالقول بثبوتهما - قبل ذلك - قول بخلاف القرآن، والأمر بالقتل في الآية معنيًا بالإثخان فالقول بثبوت القتل بعده قول بخلاف القرآن أيضا، وقد سمعت أن آيات السيف مقيدة بهذه الآية.

 

وأما ما استدل به على هذا القول من أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قتل بعض الأسارى وفادى بعضا، ومن على آخرين، فهذه الرواية - على فرض صحتها - لا دلالة لها على التخيير بين القتل وغيره، لجواز أن يكون قتله للأسير قبل الإثخان.

 

المصدر:

البيان في تفسير القرآن، لزعيم الحوزة العلمية: سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي.



1- محمَّد/4

2- المائدة/33

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
46050825

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية