header_small2
التشاور سجية العقلاء
الشيخ محمد صنقور - عدد القراءات: 5375 - نشر في: 03-ابريل-2013م

التشاور سجية العقلاء

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين، حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد (ص) وعلى آله الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

 

اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك.

 

مقدمة

قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾(1) صدق الله مولانا العلي العظيم.

 

الآية المباركة التي تلوناها واقعة في سياق آياتٍ متصدية لتعداد مجموعة من الكمالات النفسية والإجتماعية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون، فالآية -وكذلك الآيات التي وقعت في سياقها- وإن كانت بحسب صورتها في مقام الإمتداح للمؤمنين، إلا أنها تستهدف من ذلك الحثَّ، والحضَّ، والدعوة إلى تمثُّل هذه الكمالات التي أشارت إليها هذه الآيات المباركة، وهي: الإستجابة لله عزَّ وجل، وإقامة الصلاة، والتشاور في الأمر، والإنفاق في سبيل الله. ونحن سنقف -إن شاء الله تعالى- عند فقرةٍ من الآية المباركة، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.

 

سنتحدث في ذلك عن مجموعة من المحاور، وقبل ذلك لابد من بيان معنى الشورى، أو التشاور، أو المشورة - على اختلاف اشتقاقات الكلمة -.

 

المحور الأول: معنى التشاور

التشاور هو التفاوض، أي التفاوض في الأمر، والتعاطي، من أجل الخروج برأيٍ يكون أقرب للصواب. وبتعبير آخر: ثمة خيارات، وآراء، وقد يكون منها ما هو صائب، ومنها ما هو أكثر صواباً.. ومنها ما هو خاطئ، ومنها ما هو أكثر مجانبة للحق.. وقد يلتفت أحدنا إلى وجه الخطأ في هذا الخيار، ويغفل الآخر عن وجه الخطأ.. وقد يلتفت أحدنا إلى وجه الصواب في هذا الخيار وفي هذا الرأي، ويغفل عن أن ثمَّة ما هو أصوب.. وقد يكون هذا الخيار صائباً، ولكن تشوبه مجموعة من الثغرات، فيكون التداول والتفاوض والتشاور طريقاً لترميم هذا الرأي الصائب في نفسه، وتحصينه من الأخطاء والثغرات.

 

والأصل اللغوي للتشاور -كما يقول علماء اللغة - هو من شِرتُ العسل، أي أخذته من موضعه. فالعسل أمرٌ محبوب، وترغب إليه كل نفس، ويطلبه العقلاء، ولكنَّ تحصيله يحتاج إلى مؤنة، فهو يحتاج إلى أن تبحث عن موضعه أولاً، كما يحتاج إلى دربةٍ وخبرة، ومعرفةٍ بكيفية استخلاصه من موضعه، إذ أنه محفوف بمجموعة أمور: فهو محفوف بالنحل الذي قد يلسعك، ومحفوف بجدار، أو جذع شجرة، وقد يكون عدم التروِّي في أخذه موجباً لتلفه، فإذاً لابد من التروِّي، والتعرُّف على كيفية المحاذرة من لسع العسل، والتعرُّف على الوسيلة التي بها يمكن جني ما أمكن من هذا العسل.

 

أُخذ هذا الأصل اللغوي وأُسقط على معنى التفاوض لتحصيل الرأي الصائب. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى﴾، بمعنى: لابد في مقام تحصيل الرأي الصائب، أو الأقرب للصواب، أو الأقرب للحق والأبعد عن الخطأ، من وسيلة، ووسيلة الوصول إلى ذلك تكون بالتفاوض والتداول، ومحاولة الحفر في مدافن العقول -كما ورد في مضامين بعض الروايات-، فهناك مركوزات في الأذهان، وهناك تجارب مخبوءة في نفوس الرجال، وهناك خبرات تنطوي عليها عقول وقلوب الحكماء والعقلاء وذوي التخصص وذوي الخبرة، وهذه كلها مخبوءة، فأنت حينما تستشير، فإنك تحفر في هذه المدافن وتستثيرها؛ لتستخرج منها كنوزاً، وفي الواقع هي خير كنوز، فإن آراء الرجال، وتجارب الرجال، هي خير كنوز.

 

المطَّلع على الروايات الواردة عن الرسول الكريم (ص) وأهل بيته (ع)، يقف ذاهلاً من كثرة ما ورد في المشورة وحسنها.

 

اهتمام الرسول (ص) وأهل بيته (ع) بالتشاور

لماذا هذا الإهتمام الشديد من الرسول الكريم (ص) وأهل بيته على المشورة؟

 

ذلك لأن المشورة هي وسيلة من وسائل انتظام الحياة الشخصية والإجتماعية، وهي وسيلة من أهم الوسائل لتجنُّب ما أمكن من الأخطاء التي قد يكون الوقوع فيها موجباً لضياع الكثير الكثير مما يمكن أن توفُّره على نفسك، فمستقبل الكثير من الناس قد ضاع نتيجةَ رأيٍّ قد اتخذه شخص بمفرده، وهذا الرأي كان كفيلاً بأن يُسعده، أو يجعله في شقاءٍ دائم إلى أن يموت، فلأنه لم يستشر العقلاء، وذوي التجربة، وذوي الخبرة، وأهل التخصص، لذلك وقع في خطأ كان ثمنه أن يضيع كلُّ مستقبله.. وهكذا الشأن فيما يرتبط بالأمور العامة بلا فرق، بل هو أكثر أهمية.

 

سياق الآية المباركة يُعبِّر عن أن التشاور سجيَّة مستحسنة على نحو الإطلاق، فالمشورة لا يكون حسنها متمحضاً في ذوي الجهل من الناس، أو في الصغار، أو في مَن لا خبرة عنده ولا تجربة، فكل هؤلاء يحسُن منهم بل ينبغي منهم أن يستشيروا في شئوناتهم -كل شؤناتهم-، ولكن الأمر لا يختص بهؤلاء، بل كل المجتمع على اختلاف مراتبه، وشرائحه، ومستوياته، يحسُن منه أن يمتهن سجيَّة التشاور.

 

التشاور سُنَّة محمدية

هكذا نستفيد من الآية المباركة، ومن الروايات الواردة، بل إن قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾(2)، هذا الخطاب كان موجهاً للرسول الكريم (ص)، الذي كان مُسدَّداً بوحي الله، وبعصمته، ورغم ذلك يأمره الله عزَّ وجل بمشاورة أصحابه! وذلك ليُعبِّر عن هذا الأمر: وهو أنه لا أحد فوق المشورة، ولا أحد مستغن عن المشورة؛ فالنبي الكريم (ص) رغم أنه مستغن بالوحي، ولكن حينما يزاول عملية التشاور بين الناس، وبين أصحابه، فإن ذلك يؤدي إلى أنه لو كان ثمَّة مستنكف عن المشورة فإنه سيستحي من نفسه، إذ كان الرسول -وهو المؤيَّد بالوحي- يستشير، فأنا أولى بأن أستشير.

 

الاستنكاف عن المشورة سُنّة فرعونية

فإذن، عدم المشورة إنما تنشأ عن عُجبٍ بالنفس، وعن شعور بالكبرياء، وهي سُنَّة فرعون، فالنفس الفرعونيه هي التي تستنكف عن المشورة، ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾(3)، فمن يعيش الحالة الفرعونية في نفسه يستنكف عن أن يستشير، وأما الرسول الكريم (ص) فجاء ليؤصِّل المشورة من خلال تمثُّله بنفسه لهذه السجيَّة.

 

قدوة المشورة..

وهكذا كان أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، وإنَّ من قرأ سيرهم وتأريخهم يتبيَّن له كيف كانوا يحرصون على المشورة رغم إستغنائهم عنها؛ وذلك ليعلِّموا الناس أدب المشورة، وأهمية اعتماد هذه السجية في تمام الشئون.. يروي معمر بن خلاد عن الإمام الرضا (ع) يقول: "إن الإمام الرضا (ع) قال لي: أشر عليَّ برجلٍ له فضلٌ، وفهمٌ، وعلمٌ، وأمانة فاتخذه لنفسي. قال: مثلك من يستشير مثلي، ويعول على رأيي. قال: كان رسول الله (ص) يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يُريد"(4).

فلا ينبغي أن يستنكف أحد عن المشورة.

 

المحور الثاني: لماذا نستشير؟

الجواب يكون أكثر وضوحاً عند بيان هذه المقدمات:

 

المقدمة الأولى: إن الداعي للإستشارة واضحٌ، ويدركه العقلاء، فأنت عندما تستهدف تحصيل أمر معين يعود بالنفع والمصلحة عليك، فحينئذ لو كنت عاقلاً فسوف تكون حريصاً على تحصيل هذا الأمر، وستحرص على أن يكون تحصيلك له على أتم وأحسن وجه، وسوف تكون حريصاً على أن لا يترتب على تحصيله محذور، وسوف تكون حريصاً على اختيار الوسيلة الأنسب لتحصيل هذا الأمر.. كل ذلك يكون العاقل حريصاً عليه. هذه المقدمة الأولى.

 

المقدمة الثانية: الإنسان -بمقتضى محدودية عقله- لا يحيط بجميع وجوه الرأي، فقد يلتفت إلى أمرٍ، ويغفل عن آخر، وقد يذهل عن بعض الحيثيات والملابسات، وقد لا يكون محيطاً -بمقتضى عدم تخصصه في هذا الشأن الذي يبتغيه- بما يُحقِّق له المصلحة التي يبتغيها، ولا يحيط بالأدوات والوسائل.. فإذا كان الإنسان حريصاً على تحصيل المصلحة، وهو في ذات الوقت غير مُحيط بوجوه الرأي، مهما كان عاقلاً ذكياً، ومهما كان يملك من الخبرة والتجربة، فإنه حتى لو كان محيطا بالحيثيات، لكنه قد يذهل، وقد يغفل، وقد تخفى عليه بعض الأمور. إذن، هو حينما يُقدِم دون أن يستشير يكون مجازفاً بمصلحته، وقد يقع في نقيض غرضه.

 

المقدمة الثالثة: إنَّ صاحب الحاجة عادةً ما تكتنف نفسه مشاعر الرغبة إلى تحصيلها، وهذه الرغبة قد تُعميه، وتُذهله عن بعض الحيثيات، وبعض المحذورات؛ لأنه يرغب بالشئ.. ألا ترون إذا أراد أحدهم الزواج، ورأى فتاة فأعجبته وأراد الزواج منها ودخلت قلبه، فإنَّ هذا بطبيعته ونتيجة حبِّه ورغبته الشديده يغفل عن الكثير من الحيثيات، وهنا يحتاج إلى أحد لينبِّهه، ويوعِّيه، ويقول له: هل التفتّ إلى هذا المحذور وهل التفت إلى تلك الحيثية، وذلك الأمر.

 

الإمام علي (ع) -أمير الحكماء- يقول: "إنما حُض -يعني حُثَّ- على المشاورة؛ لأن رأي المُشير صِرْف، ورأي المستشير مشوبٌ بالهوى"(5)، أي إن المُشير ليس له مصلحة، وهو بعيد عن القضية، ولهذا سوف يُعطيك من محض عقله، لأنَّه لا مصلحة له في أن تحظى بحاجتك، أو أن تُصرف عنك هذه الحاجة، ولذلك سوف يكون رأيه من محض عقله، وسوف يكون جوابه بمنتهى الموضوعية، وبمنتهى الإنصاف. أما المستشير فهو صاحب هوى، والهوى -كما قال أهل البيت- يُعمي، ويُصم، فالهوى يحجب العقل عن إدراك أمور قد تكون بيِّنة، يراها الناس ولكنَّ صاحب الهوى والرغبة لا يراها والهوى يُصم السمع عن وقائعَ يسمعها الناس ولكن صاحب الهوى والرغبة لا يسمعها أو كأنه لا يسمعها، ومن هنا كانت المشورة ذات أهمية عظمى في كلِّ شئ -أيها الأخوة الأعزاء-.

 

تنويه: الاستشارة في جميع الأمور

كثير من الأخوة يتوهَّم أن الإستشارة تكون في الشئون العامة فقط، أو إذا كانت في الشئون الخاصة فهي في القضايا الخطيرة جداً ولكن الأمر ليس كذلك، فإنه ينبغي للمؤمن أن يستشير حتى في مُحقّرات الأمور، فيستشير في كل قضية بما يناسبها، ونحن لا نقصد أن عليه في كلِّ قضية صغيرة أن يستشير الخلق بأكملهم، ولكن تارة تكون القضية خطيرة فيحتاج فيها إلى أكثر من رأي، ويسترشد أكثر من عاقل، وتارة يكون الأمر ميسوراً، فحينئذٍ لا ضير في أن يكتفي بالواحد من الأصدقاء، أو الأقرباء، أو غيرهم، فالأمر يختلف باختلاف حجم القضية، ونوعيتها، وآثارها، وتبعاتها.

 

المقدمة الرابعة: الروايات الشريفة أشارت إلى أنه إذا استشار الإنسان فإنه غالباً ما سيصل إلى الصواب، وإذا لم يصل إلى الصواب فسوف يكون أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ، وإذا وقع في الخطأ فربما لو لم يستشر لوقع في خطأ أشدَّ منه؛ ولو وقع في خطأ شديد، فإن العقلاء سوف يعذرونه لأنه قد استشار، وهو سوف لن يلوم نفسه كثيراً ويُعذِّب نفسه كثيراً، بخلاف ما لو استبدّ برأيه ولم يستشر، فإنه لو وقع في الخطأ فإنه لن يسامح نفسه، وسوف يظلُّ يلومُ نفسه، ويجلد ذاته -على ما يعبِّرون- في كل حين، لأنه لم يستشر أحداً، وهذه هي أحد محاسن الإستشارة.

 

يقول الإمام الكاظم (ع): "من استشار لم يُعدم عند الصواب مادحاً، وعند الخطأ عاذراً-يعذرك الناس-"(6)، والمشورة تجلب لك صواب غيرك، وهذا ما أشرنا إليه؛ لأنه قد تغفل، قد تجمح بك الرغبة عن الصواب فيكون من استشرته هو المسدِّد والمقوِّم حيث أنَّه خالي الذهن، وخالي النفس من كلِّ رغبة، فسوف يُمحض لك النصيحة، ولذلك سوف تتحصَّل على صواب غيرك.

 

المقدمة الخامسة: على أنه ورد عن أهل البيت (ع): "من شاور الرجال، شاركهم في عقولهم"، فإذا انضم عقلك إلى عقول الرجال، فتم التشاور والتباحث في الأمر، فسوف تخلصون إلى نتيجة أصوب مما لو كان الرأي قد اتُّخذ بعقل واحد. فالرأي المبتني على التباحث والتداول -يعني بحيث يُنبِّه كلُّ واحدٍ على ما غفل عنه الأخر-فإنه بطبيعة الحال- سوف يكون هذا الرأي أكثر إحكاماً والروايات في ذلك كثيرة.

 

المحور الثالث: من نشاور؟

بعد أن خلصنا إلى أهمية التشاور، ثمة أمر آخر ينبغي الإلتفات إليه؛ حتى لا نقع في نقيض الغرض، وهو مَن نشاور؟

حسن المشاورة لا تعني استشارة أيِّ أحدٍ وجدته ليس الأمر كذلك، ولذلك تصدَّت الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) إلى بيان طبيعة من يستحق أن يكون محلاً للمشاورة، وأن يُؤخذ برأيه.

 

أولاً: شاور العاقل

فالروايات أفادت أنه إذا أردتم أن تسترشدوا أحداً، وأن تستشيروا أحداً، فاستشيروا العاقل أي الذي يمتاز بالتعقُّل. والعقل: هو القدرة على تدبير الأمور. فالعاقل ليس هو من لديه مستوىً علمي، فحسب أويفهم مثلاً في الهندسة، أو يفهم في الكيمياء والفيزياء، فهذا ليس له ربط بالعقل؛ إذ أنّ هذا علم، والعلم غير العقل. فرجاحة العقل تعني: أن هذا صاحب رأي، وأن هذا الرجل يُحسن تدبير الأمور، ويلتفت إلى محذورات الأمور، ويلتفت إلى محاسنها، وعواقبها ويستطيع أن يضرب الآراء بعضها ببعض؛ ليستخلص رأياً يكون أكثر صواباً.. هذا هو العاقل، فإذا أراد الإنسان أن يستشير، فليستشر رجلاً عاقلاً.

يقول النبي الكريم (ص): "استرشدوا العاقل، ولا تعصوه فتندموا"(7).

 

ثانياً: الحليم

في الواقع هناك صفة ملازمة للعاقل، فإذا رأيتموه غير واجد لهذه الصفة فهو ناقص عقل، وهذه الصفة هي الحلم. لذلك فإنَّ كثيراً من الروايات تُفسِّر العاقل بالحليم، والحليم بالعاقل. فالحليم: هو من يكون واسع الصدر، ومتئداً ومتأنياً وهادئاً في تفكيره ومشاعره. وأما العاقل: فهو صاحب رأي، ويستطيع تحليل الأمور، ويشرح الأمر شرحاً -أي يبسطه بسطاً-، فيبحث عن ثغرات هذا الرأي، ومحاسنه؛ وكيف نستطيع من خلال الجمع بين هذا الرأي وغيره من الآراء لتحصيل رأيٍ أكثر إستحكاماً، وأكثر موافقة للرشاد. ولكن ذلك كله غير كافٍ إذا لم يصدر عن حلمٍ ورويَّة، فلابد أن يكون متأنياً في شئونه.. أما إذا رأيت إنساناً أهوجاً، إذا تكلمت معه ظننت أنه عاقل، ولكن تصرفاته تصرفات أحمق، فهذا ليس بعاقل، وربما كان نصف عاقل! العاقل حليم، والحليم متئد، والمتئد هادئ، والهادئ متروِّي، والمتروِّي لا يعجل في الأمور. فإذا ما أردت أن تستشير، فاستشر مَن هذه صفته.

 

ثالثاً: الناصح

والمراد من الناصح هو المحب والمخلص فتارة يكون الشخص عاقلاً ولكنه يكرهك وقد يكون عاقلاً ولكنه محتال مثلاً فهذا لا يكون ناصحاً، فالنصح يعني الخلوص: أي خلوص النفس من الكيد، وخلوص النفس من المكر، ومن الإحتيال. فغير الناصح ربما أعطاك رأياً؛ لأنه يجرُّ لنفسه مصلحة -ليس لك أنت-، وأنت قدِمت إليه تريد رأياً يعود بالنفع عليك! إذن لابد أن يكون مخلصاً لك وهذا معنى الناصح، فلذلك ليس من الصواب استشارة من يكرهك، ولا أو يحسدك، أو يشعر بالمنافسة معك، فهذا لا يستشار.

 

وإنما يُستشار المُحب الذي يكون محباً لك، أو على الأقل ليس كارهاً لك، ولا يكره لك المصلحة والخير.

 

تنويه: متى تستشير؟

كما أنه ينبغي تحيُّن الوقت المناسب للاستشارة فمن غير المناسب استشارة أحدٍ وهو غضبان أو منزعج أو على عجلةٍ من أمره أو استشارته وهو مُتعَب أو مُرهَق، فاستشارة أحدٍ في هذه الأحوال لا ينفعك بشيء بل قد يضرك إذن لابد من اختيار الوقت الذي يكون فيه المستشار هادئ البال معتدل المزاج.

 

رابعاً: الذي يخاف الله

إذن يجب أن يكون المشير عاقلاً، حليماً ناصحاً، محباً، ومضافاً لذلك يجب أن يكون ممن يخافون الله جلَّ وعلا.. والروايات قد أكدت على هذه الصفة في المستشار، وأنَّه لا يصح لعاقل استشارة رجلٍ لا يخشى الله تعالى؛ لأن استشارة من لا يخاف الله، ولا يراقب الله في رأيه، مجازفة فإنهَّ لو ما صدق ونصح في مشورته فإنها في أحسن التقادير ستكون مشورة مقصورة على المصلحة الدنيوية والمنفعة الآنية حتى لو أعقبتها خسارة الدارين، على أن صدقه غير مأمون فقد يَغشَّك ولا يصدقك المشورة؛ أما الإنسان الذي يخاف الله فإذا كان عنده رأي سيُعطيك إياه بإخلاص، وأما إذا لم يكن عنده رأي سيعتذر لك، ويقول لك: إنه لا يوجد عندي رأي في هذا الشأن، إستشر غيري. هذا لأنه يراقب الله، لذلك فإنه فلن يَغشُّك، ولن يعطيك رأياً يوقعك في المحاذير وهو ملتفتٌ متعمِّد. وأما الفاسق غير المبالي بحدود الله تعالى فإنه ليس كثيراً عليه أن يغشك وأن يحتال عليك ويتمظهر في ذات الوقت أنه ينصحك ويحرص على مصلحتك.

 

والحمد لله رب العالمين

الشيخ محمد صنقور



1- سورة الشورى/38.

2- سورة آل عمران/159.

3- سورة غافر/29.

4- النص: عن معمر بن خلاد قال: "هلك مولا لأبي الحسن الرضا (ع) يقال له: سعد، فقال له: أشر علي برجل له فضل وأمانة، فقلت: أنا أشير عليك؟ فقال شبه المغضب: ان رسول الله (ص) كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد". وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 12 ص 44.

5- عيون الحكم والمواعظ -علي بن محمد الليثي الواسطي- ص 179.

6- مستدرك الوسائل -الميرزا النوري- ج 8 ص 342.

7- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج 12 ص 20.

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
43007816

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية